فالتّجلّي الصّوريّ في حضرة الخيال يحتاج إلى علم آخر يدرك به ما أراد اللّه بتلك الصّورة .
شرح
المثال أو في نفسه وقلبه من الوجه الخاص من غير توسط أمرا آخر ، أراد اللّه سبحانه أن يظهر في الحس صورة ليحققه بالفناء هي ذبح الكبش وأن يرقيه عن هذا المشهد فأراه في المنام أن اذبح الكبش ولكن في صورة ذبح ابنه وستر عليه المقصود منه ، وأوقع في وهمه أن ابنه هو المقصود بعينه بناء على ما اعتاده من الأخذ عن عالم المثال ، فاعتقد صدق ما وقع في وهمه من ذبح ابنه فتصدى له وانقاد له ابنه ، فظهر سر كمال استسلامهما وانقيادهما للّه تعالى ، فجعل سبحانه الذبح العظيم فداء لابنه وأنقذه من الذبح ، وما كان مراد اللّه من منامه وهو ذبح الكبش لتكون صورة حسية لتحقق إبراهيم بالفناء فيه وحصل له الترقي عن مشهده المعتاد ، فإن الصورة المرئية لم تكن من عالم المثال بل فاض هذا المعنى عليه من مرتبة أخرى فوق عالم المثال ، وانبعث من قلبه وصورته متخيلة بتلك الصورة ، وعلم ذلك الترقي أيضا حيث وقع منه ذبح الكبش لا ذبح ابنه . ولا يخفى على المنصف أن ذلك بيان لحسن تربية اللّه سبحانه إبراهيم الخليل عليه السلام وليس فيه شائبة سوء أدب من الشيخ رضي اللّه عنه بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام ، وكتب بعض من اشتهر بالفضل بخطه على الهامش في هذا المقام .
هذا كلام زخرفه الشيخ ولا أراه حقا بل كله صادر عن سوء أدب أحسن محامله أن يقال أنه صدر عنه في حال كونه مغلوبا ، والحق في ذلك واللّه أعلم أن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام أنه مباشر للذبح بمعنى أنه أضجع ابنه وأخذ المدية وأمرّها على حلقومه ليقطعه ولكن لم يحصل القطع وهذا هو المراد بقوله :إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، أي رأيت أني مشتغل بأفعال الذبح ولا يلزم منه تمامه ، وقد وقع منه في اليقظة ما رآه في المنام ووطن هو وابنه للانقياد لذلك ، فلما تم العزم ووجد مقدمات الذبح حصل المقصود من الابتلاء فتداركه اللّه برحمته بإعطاء الذبح ليذبح فداء له فوقع ما رآه بعينه ، ولم تكن رؤياه وهما وخيالا حاشا منصب الخلة عن مثل هذا الخطأ واللّه ولي التوفيق ، والعجب من هذا الفاضل بل من كل معترض على الشيخ رضي اللّه عنه في مثل هذا الكتاب ، فإن ما ذكره الشيخ من مفتتح الكتاب من مبشرة أريها وإن ما أورده في هذا الكتاب ما حده له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان إن كان مسلما عنده فلا مجال للاعتراض فإن ذلك يعود إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يكن مسلما عنده بل أعتقد أن ذلك افتراء وكذب أو سهو وخطأ فالاعتراض عليه ذاك لا هذا وكيف لا يسلم ذلك من اطلع على أحواله ومقاماته ومكاشفاته مما أدرجه في هذا الكتاب وسائر مصنفاته ( والتجلي الصوري في حضرة الخيال ) المقيد ( محتاج إلى علم آخر ) يسمى علم التعبير ( يدرك به ما أراد اللّه تعالى بتلك الصورة ) الظاهرة في حضرة الخيال بإرائه ، وهو معرفة المناسبات