تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
هم الصّمّ والبكم الّذين أتى بهم * لأسماعنا المعصوم في نصّ قرآن
اعلم أيّدنا اللّه وإيّاك أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام قال لابنه :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
[ الصافات : 102 ] والمنام حضرة الخيال فلم يعبّرها . وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام فصدّق إبراهيم الرّؤيا ، ففداه ربّه من وهم إبراهيم بالذبح العظيم الّذي هو تعبير رؤياه عند اللّه وهو لا يشعر .
شرح
قولنا ) من أقوال المحجوبين من أهل النظر والمقلدين لهم وأصحاب الظواهر الذين لا علم لهم بالبواطن ( ولا تبذر السمراء ) يعني بيان الحقائق الذي هو غذاء القلب والروح كالسمراء يعني الحنطة للجسم ( في أرض عميان ) يعني في أرض استعداد ، وهؤلاء الطوائف الذين لا يبصرون الحق ولا يشاهدونه في جميع الأشياء ( هم ) ، أي هؤلاء العميان ( الصم ) عن استماع الحق ( والبكم ) عن الإقرار به ( الذين أتى بهم ) ، أي ذكرهم جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة ( لأسماعنا ) النبي ( المعصوم ) عن تهمة الكذب صلى اللّه عليه وسلم ( في نص قرآن ) يريد قوله تعالى :صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ( 18 ) [ البقرة : 18 ] . ( اعلم أيدنا اللّه وإياك ) لإدراك الحقائق على ما هي عليه ( أن إبراهيم الخليل ) على نبينا وعليه الصلاة والسلام ( قال لابنه إسحاق ) عليه السلام (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ[ الصافات : 102 ] والمنام حضرة الخيال ) المقيد الذي من شأنه أن تعبر عن الصورة الممثلة فيها إلى المعاني المقصودة منها ( فلم يعبرها ) إبراهيم عليه السلام ، أي لم يتجاوزها إلى المقصود من الصور المرئية فيها لما تعوّد به من الأخذ عن عالم المثال المطلق ، وكلما أخذ منه لا بد أن يكون حقا مطابقا للواقع من غير تعبير . فلما شاهد عليه السلام صورة ذبح ابنه فيه ظن أنه مأمور به من غير تعبير وتأويل فتصدى له ( وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام ) ، لمناسبة واقعة بينهما وهي الاستسلام والانقياد فكان مراد اللّه سبحانه به الكبش لا ابن إبراهيم ( فصدق إبراهيم الرؤيا ) ، أي حقق الصورة المرئية وجعلها صادقة مطابقة للصورة الحسية الخارجية بالإقدام على الذبح والتعرض لمقدماته ( ففداه ) ، أي ابن إبراهيم ( ربه ) لينقذه من الذبح . وذكر الفداء ههنا إنما هو من جهة وهم إبراهيم وظنه وإلا لم يكن فداء حقيقة ( بالذبح العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند اللّه وهو ) ، أي إبراهيم عليه السلام ( لا يشعر ) بذلك التعبير لما أخفاه اللّه سبحانه عليه لحكمة تقتضيه . والتفصيل في هذا المقام على ما يفهم من كلام الشيخ رضي اللّه عنه وشارحي كلامه ، أن إبراهيم الخليل صلوات اللّه عليه كان قبل هذا المقام معوّدا بالأخذ عن عالم المثال الذي من شأنه أن تطابق الصور المرئية فيه الصور الظاهرة في الحس من غير اختلال ، فلا حاجة فيه إلى التعبير ، فلما تحقق الفناء في اللّه بالكلية واقتضى ذلك الفناء في اللّه عن هذا المشهد بأن يشاهد الأمور في مراتب هي أعلا مراتب