وذو الحسّ بعد النّبت والكلّ عارف * بخلّاقه كشفا وإيضاح برهان
وأمّا المسمّى آدم فمقيّد * بعقل وفكر أو قلادة إيمان
بذا قال سهل والمحقّق مثلنا * لأنا وإيّاهم بمنزل إحسان
فمن شهد الأمر الذي قد شهدته * يقول بقولي في خفاء وإعلان
ولا تلتفت قولا يخالف قولنا * ولا تبذر السّمراء في أرض عميان
شرح
جماد ) ، فإنها بأسرها مفطورة على معرفة اللّه كشفا وشهودا بحسب الذات ، وأعلاها في هذه المعرفة الذاتية الفطرية الجماد ، فإنه ليس فيه تغير أصلا عن فطرته الأصلية يدل على ذلك كمال انقياده للّه تعالى وثباته تحت تصرفاته ( وبعده ) ، أي بعد الجماد ودونه ( نبات على قدر ) منوع ( يكون ) بحسب نوعه لظهور قوّة النموّ فيه ( وأوزان ) ، أي أقدار معينة بتعيين صنفي أو شخصي بحسب أصنافه وأشخاصه في أن الوزن أيضا هو القدر والمرتبة ، يقال : فلان لا وزن له عند السلطان ، أي لا قدر له ولا قيمة عنده ، وإنما كان النبات بعد الجماد ودونه ، لأنه زاد فيه على أصل الفطرة الجمادية النمو ، وذلك نوع تصرف طبيعي يضاف إليه ، فبقدر هذا التصرف والإضافة تنقص معرفته من معرفة الجماد ، فإنه إذا كان صاحب معرفة وشهود ولا يبعد أن يصير شهود هذا التصرف والإضافة حجابا على شهوده الحق تعالى ( وذو الحس ) يعني الحيوان ( بعد النبت ) ، ودونه لزيادة الحس والحركة الإرادية فيه وإضافتهما إليه فبقدرهما تنقص معرفته لما عرفت في النبات ( والكل ) ، أي كل من الجماد والنبات والحيوان ( عارف بخلاقه ) وموجده ( كشفا ) ، أي معرفة كشف ( وإيضاح برهان ) كشفي لا برهان فطري فإن ذلك من خواص الإنسان .
وحمل الكلام على أن كون « الكل عارفا بخلاقه » معلوم لنا « كشفا وإيضاح برهان » لا يلائم البيت الآتي أعني قوله : ( وأما المسمى آدما ) الذي ليس له من الآدمية إلا اسم وهو الإنسان الحيوان ( فمقيد بعقل وفكر ) مشوب بالوهم إن كان من أهل النظر ( أو قلادة إيمان ) إن كان من أهل التقليد الإيماني وتنقص معرفته عن معرفة سائر الحيوان لزيادة الآثار النفسية والتصرفات الغرضية من الفكر والتقليد وغيرها بنقص معرفته من سائر الحيوانات ، فظهر من هذا أن الكبش إن كان أدنى وأخس من النبات والجماد لكنه أعلا وأشرف من الأناسي الحيوانيين ، فهذا العلو والشرف يستأهل أن يكون فداء لإنسان شريف ( بذا ) ، أي بما ذكرناه من بيان مراتب الموجودات ( قال سهل ) ، يعني سهل بن عبد اللّه التستري قدس اللّه سرّه ( والمحقق ) كائنا من كان ( مثلنا ) ، أي مثل قولنا بهذا ( فإنا ) يعني سهلا ونفسه ( وإياهم ) ، يعني سائر المحققين المماثلين لهما في هذا القول ( بمنزل إحسان ) ومقام مشاهدة فيعرف ويشاهد الأمور على ما هي عليه ( فمن شهد الأمر الذي قد شهدته يقول بقولي في خفاء وإعلان ) ، أي في السر والعلانية ( ولا تلتفت قولا يخالف