فلي وجهان هو وأنا * وليس له أنا بأنا
ولكن فيّ مظهره * فنحن له كمثل أنا
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] .
شرح
فكما أن أعياننا الثابتة ظاهرة في أعياننا الموجودة ، فكذلك الحق سبحانه ظاهر فيها وهذا الوجه وإن لم يخل عن تكلف لكنه يدفع عيب الإبطاء عن القافية وعدم المناسبة بين قوله : نحن له ونحن بنا فإن المناسب أن يقال : فنحن به أو كنحن لنا كما وقع في بعض النسخ ، وكأنه تغيير من بعض المتصرفين لتحصيل تلك المناسبة ( فلي وجهان ) ، أي جهتان وحيثيتان ( هو وأنا ) ، أي أحدهما هويته العينية المطلقة وثانيهما أنانيتي العينية الشخصية اللاحقة إياها . فمن الوجه الأوّل أنانيتي مستهلكة وهويته من غير امتياز بيننا ولا ربوبية ولا عبودية .
ومن الوجه الثاني يحصل الامتياز بظهور الربوبية والعبودية ( وليس له أنا بأنا ) ، أي ليس له سبحانه أنانية تقيده وتخرجه عن الإطلاق بسبب تقيده بأنانيتي المقيدة الشخصية ( ولكن في ) ، أي في أنانيتي ( مظهره ) ، أي ظهوره فيلحقه أنانيته بسبب ظهوره في أنانيتي ولكنه ليس منحصرا فيها ، فإن المطلق يظهر في المقيد مقيدا من غير تقييد به ويجوز أن يكون المظهر اسم مكان ، وكلمة في تجريدية مثلها قوله تعالى :لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ الأحزاب : 21 ] ( فنحن كمثل إنا ) بكسر الهمزة يعني نحن بأنانيتنا المقيدة مثل الإناء لهويته المطلقة ، فهي ظاهرة فينا متعينة بنا كتعين ما في الإناء بالإناء . قال الشيخ مؤيد الدين الجندي : يقولون لون الماء لون إنائه ، أنا الآن من ماء إناء بلا لون .
( واللّه يقول الحق ) بلسان غيره في سائر الحقائق فلا إنكار عليه إذا تكلم بمثل هذا المقال ، ( وهو يهدي السبيل ) الموصل إلى فهمها وقبولها لمن يشاء من الخلائق فلا اختيار لمن اتحد طريق الهداية والضلال .