فالأمر منه إليك ومنك إليه .
غير أنّك تسمّى مكلّفا وما كلّفك إلّا بما قلت له كلّفني بحالك وبما أنت عليه ، ولا يسمّى مكلّفا اسم مفعول .
فيحمدني وأحمده * ويعبدني وأعبده
ففي حال أقرّ به * وفي الأعيان أجحده
فيعرفني وأنكره * وأعرفه فأشهده
فإني بالغنى وأنا * أساعده وأسعده
شرح
فكما أنت غذاء له فهو أيضا غذاؤك كما أنك تحكم عليه فهو أيضا يحكم عليك ( فالأمر ) تارة صادر ( منه ) اتحادا وإيجابا متوجه ( إليك و ) تارة صادرا ( منك ) بلسان الحال والقول والفعل متوجه ( إليه ) .
ولما أثبت المشاركة بين الحق سبحانه وبين العبد أراد أن يبين ما به يمتاز عنه فقال : ( غير أنك تسمى مكلفا ) اسم مفعول لتكليفه إياك ( و ) لكنه ( ما كلفك إلا بما قلت له كلفني بحالك وبما أنت عليه ) يعني ما كلفك الحق سبحانه إلا بما قلت له بلسان حالك وبلسان ما أنت عليه من الاستعداد كلفني به ، فبالحقيقة ما كلفك إلا نفسك فالجار والمجرور في قوله : بحالك ، وقوله : بما أنت متعلق بالقول لا بالتكليف ( ولا يسمى ) هو سبحانه ( مكلفا اسم مفعول ) بل هذا الاسم مختص بك ، شعر : ( فيحمدني ) بإفاضة الوجود عليّ وإظهاره كمالاتي بها أولا وثانيا علي بكلامه حين يثني على عباده على اختلاف درجات ثنائنا وبالنسبة عبادة ثالثا ( وأحمده ) بجميع السنتي القولية والحالية والفعلية ( ويعبدني ) ، أي يعطيني فيما أطلب منه بلسان حالي واستعدادي من الوجود وتوابعه ( فأعبده ) شكرا لعبادته لي وعبادتي له في الظاهر إقامة حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه . وفي الباطن قبول تجلياته الذاتية والأسمائية .
وكان إطلاق العبادة على الحق سبحانه وتعالى بناء على المشاكلة وإلا فالشيخ رضي اللّه عنه كما يعلم من مؤلفاته من الأدباء المتمكنين لا المغلوبين ( ففي حال ) ، أي حال تجليه في المراتب الإلهية ( أقرّ به وفي حال ) ، أي حال تجليه في الأعيان الكونية ( أجحده ) وأنكره لاتصافها بما ينافي المرتبة الإلهية كان هذا بلسان الإلهية كان هذا بلسان حال المحجوبين وإلا فصاحب الشهود يراه في كل شيء ويقرّ به ( فيعرفني ) في جميع المواطن ( وأنكره ) النكرة ضد المعرفة وقد نكرت الرجل بالكسر نكرا ونكورا وأنكرته واستنكرته ، كله بمعنى فقوله : أنكره إما بفتح الكاف من التنكر أو بكسرها من الإنكار بمعناه لا بمعنى الجحود في بعضها ، أي لا أعرفه ( و ) ويعد ما أنكره ( أعرفه ) برفع الحجب ( فأشهده ) شهودا عيانيا في المجالي التفصيلية ( فأنى ) ، أي من أين يتصف