فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] قلنا لو حرف امتناع لامتناع فما شاء إلّا ما هو الأمر عليه ولكن عين الممكن قابل للشّيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأيّ الحكمين المعقولين وقع ، فذلك هو الّذي عليه الممكن في حال ثبوته .
ومعنى :
لَهَداكُمْ
لبيّن لكم وما كلّ ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه ، فمنهم العالم والجاهل .
فما شاء فما هداهم أجمعين ، ولا يشاء .
وكذلك « إن يشأ » ؟ هذا ما لا يكون .
شرح
وهي أن ترجيح أحد النقيضين إنما هو بنسبة الحق واختياره وإن كان نسبتهما إلى عين الممكن واحدة وأما إذا كان عين الممكن تقتضي قبول أحد النقيضين دون الآخر ولا يمكن أن يتخلف منه مقتضاه ( فما فائدة قوله : فلو شاء لهداكم أجمعين ) . أما المعنى المستفاد منه ( قلنا ) قوله : لو شاء ( لو ) فيه ( حرف امتناع لامتناع ) ، أي يدل على امتناع التالي لامتناع المقدم ، ففائدة الآية امتناع هداية الكل لامتناع تعلق مشيئته سبحانه بها ، وإنما امتنع تعلّق مشيئته سبحانه بها لأن الأعيان متفاوتة الاستعداد بعضها قابلة للهداية وبعضها غير قابلة للهداية وعلمه سبحانه تابع للأعيان لا يتعلق بها إلا على ما هي عليه في أنفسها ومشيئته تابعة للعلم .
( فما شاء إلا ما هو الأمر عليه ) فكل عين اقتضت الهداية تعلقت مشيئته بهدايتها ولا يمكن خلاف ذلك في نفس الأمر وإن جوزه العقل كما أشار إليه رضي اللّه عنه بقوله :
( ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ) وذلك لأن العقل قاصر عن إدراك ما هو الأمر عليه في نفسه ( وأي الحكمين المعقولين ) الذين جوزهما العقل ( وقع ) فلا محالة ( فذلك ) الحكم ( هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته ) في المرتبة العلمية ( ومعنى قوله :لَهَداكُمْلبين لكم ) الأمر على ما هو عليه في نفسه فيصير معنى الآية : امتناع بيان الأمر على ما هو عليه لكل أحد لامتناع تعلق مشيئته سبحانه به ، ثم بين رضي اللّه عنه امتناع تعلق مشيئته تعالى ببيان الأمر لكل أحد بقوله : ( وما كل ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه ) ، لأن عين بعض الممكنات لا يقتضي ذلك الفتح ، فلا يتعلق المشبه به فلا ينفتح عين بصيرته فلا يدرك الأمر على ما هو عليه ( فمنهم العالم ) الذي يقتضي عينه أن يتعلق المشبه ببيان الأمر له ( و ) منهم ( الجاهل ) الذي لا يقتضي عينه ذلك . ثم ذكر رضي اللّه عنه نتيجة هذه المقدمات بقوله : ( فما شاء ) ، أي من الأزل إلى الآن هداية الجميع ( فما هداكم أجمعين ولا يشاء ) ، أي من الآن إلى الأبد أيضا هداية الجميع فلا يهديهم أجمعين أبدا .
( وكذلك ) ، أي مثل قوله : لو شاء . قوله : ( أن يشأ ) المختص بزمان الاستقبال في