فمشئيته أحديّة التّعلّق وهي نسبة تابعة للعلم . والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت وأحوالك فليس للعلم أثر في المعلوم ، بل للمعلوم أثر في العلم فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه .
وإنّما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون وما أعطاه النّظر العقلي ، ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف ولذلك كثر المؤمنون وقلّ العارفون أصحاب الكشوف .
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
( 164 ) [ الصافات : 164 ] .
وهو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك .
شرح
قوله تعالى :إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ *وأمثاله في إفادة امتناع أمر لامتناع المشيئة ( فهل يشاء ) ، أي هل تتعلق مشيئته المستفادة من قوله :إِنْ يَشَأْ *مما أفاد امتناع تعلقها به . ( هذا ما لا يكون ) أبدا ، لأن مقتضى الأعيان لا تتبدل ( فمشيئته أحدية التعلق ) ، لا يتعلق إلا بأحد النقيضين وبين ذلك بقوله : ( وهي نسبة ) ، أي وذلك لأن المشيئة نسبة ( تابعة للعلم ) لا تتعلق إلا بما يقتضي العلم تعلقها به ( والعلم نسبة تابعة للمعلوم ) لا يتعلق به إلا على ما هو عليه في نفسه ( والمعلوم أنت وأحوالك ) وأنت لم تتغير عما كنت عليه في حال ثبوتك ولما كان المتوهم أن يتوهم ههنا أن للعلم تأثيرا في المعلوم فيمكن أن تستند مقتضيات الأعيان إلى العلم بها إلى نفسها دفعه رضي اللّه عنه بما يتفرع على تبعيته للمعلوم أعني قوله : ( فليس للعلم أثر في المعلوم بل للمعلوم أثر في العلم ) .
وفي بعض النسخ في العالم والأول أنسب ( فيعطيه ) ، أي أثر المعلوم في العلم أن يعطيه ( من نفسه ما هو عليه في عينه ) فيجعله مطابقا تابعا له في هيئة التطابق ولما كان المفهوم والمتبادر من قوله :فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ[ الأنعام : 149 ] تساوي الهداية وعدمها إلى جميع المخاطبين وترجيح أحد الجانبين بمحض مشيئته سبحانه لامتناع تعلق المشيئة بهداية الجميع كما ذكره رضي اللّه عنه اعتذر بقوله : ( وإنما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ ) ، أي توافق ( عليه المخاطبون ) المحجوبون المقتدرون بطور العقل ( و ) بحسب ( ما أعطاه النظر العقلي ما ورد ) ذلك ( الخطاب ) بحسب معناه الظاهر ومفهومه المتبادر ( على ) طبق ( ما يعطيه الكشف ) لعدم وفاء استعدادات الكل بذلك . ( ولذلك كثر المؤمنون ) المصدقون بما هو الظاهر المتبادر من الخطابات الإلهية ( وقل العارفون أصحاب الكشوف ) الفائزون بإدراك المراد منها على ما هو عليه .
( وما منا إلا له مقام معلوم ) ومرتبة معينة في علم اللّه تعالى لا يتعداها ولا يتجاوز عنها ، فمن كان مقامه مضيق العقل يبقى أبدا محبوسا فيه ومن كان مقامه متسع الكشف يترقى دائما في مدارجه ومراقيه ( وهو ) ، أي المقام المعلوم ( ما كنت ) ، أي مقام كنت ملتبسا ( به في ) حال ( ثبوتك ) في الحضرة العلمية ( ثم ظهرت ) متلبسا ( به في وجودك