تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فلا يعرف الحقّ حتّى نعرف قال عليه السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، وهو أعلم الخلق باللّه . فإنّ بعض الحكماء وأبا حامد ادّعوا أنّه يعرف اللّه من غير نظر في العالم وهذا غلط .
شرح
بعبوديتنا وكوننا محل تصرفه بحيث اتصف بالنسب الإلهية وإطلاق لفظ المألوه على العبد خلاف ما يقوله المفسرون من أن الإله بمعنى المألوه وهو المعبود وكأنه رضي اللّه عنه لاحظ في الإله بمعنى التأثير والتصرف فيما سواه فلا جرم يكون اسم المفعول منه هو العبد والمفسرون لما لاحظوا فيه معنى استحقاق من سواه لعبادته وعبوديته لا يكون اسم المفعول منه عندهم إلا المعبود ( فلا يعرف الحق ) سبحانه من حيث مرتبة الإلهية ( حتى نعرف ) نحن من حيث مرتبة عبوديتنا ومألوهيتنا ، أي يمتد عدم معرفته إلا حين وجود معرفتنا أنفسنا وينتفي ضدها ، فحين نعرف نحن يعرف هو ( قال صلى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه عرف ربه وهو أعلم الخلق باللّه » ) فالأمر على ما هو أخبر عنه سبحانه . وبعدما عرفت هذا ( فإن بعض الحكماء وأبا حامد ) الغزالي ( ادعوا أنه يعرف اللّه من غير نظر في العالم ) ، أي من غير استدلال به عليه استدلالا بالمؤثر على الأثر ، أو من غير ملاحظة له سواء كان بالاستدلال أو بغيره كما في المتضايفين ( وهذا غلط منهم ) ، لأنه إن كان المراد الثاني فلا شك أن الألوهية معنى نسبي فلا يمكن تعقلها بدون المنتسبين الذين أحدهما : العالم وإن كان المراد الأول فقيل : وجه الغلط أن طريق أهل النظر إما الاستدلال بالأثر على المؤثر أو بالمؤثر على الأثر ولا مؤثر للحق سبحانه يستدل به عليه ، فانحصر طريق معرفته في الاستدلال بالأثر على المؤثر . والأثر هو العالم فلا يعرف من غير نظر في العالم . ونوقش فيه بأن الكلام في مرتبة الألوهية لا في الذات البحت ، ويمكن الاستدلال على المرتبة بالمؤثر فيها الذي هو الذات البحت ، بأن تعرف أولا الذات ثم بعض الصفات كوجوب الوجود مثلا ، وتفرع عليه سائر الصفات كما فعلوا ذلك وعلى مجموع الذات والصفات إلا بأمر واحد كما صدرت بحسب الواقع ، فتعرف مرتبة الألوهية من غير استدلال بالعالم عليها وإن كان لا بد فيه من ملاحظة العالم . ويمكن أن يجاب عنه بأن معرفة الذات البحت يستدل بها على مرتبة الألوهية من غير نظر في العالم بالاستدلال عليها غير معلومة بل عدمها معلوم عند أهل النظر ، فالحكم بصحة معرفة تلك المرتبة من غير نظر في العالم يكون غلطا غير صحيح نعم يصح ذلك في طريق أهل الكشف . ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « عرفت الأشياء » « 1 » حين قيل له : بم عرفت اللّه ؟ وكأنه إلى ذلك يشير الشيخ رضي اللّه عنه حيث
هامش
( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 166 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي