ألا ترى الحقّ يظهر بصفات المحدثات ، وأخبر بذلك عن نفسه ، وبصفات النّقص وبصفات الذّمّ ؟
ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحقّ من أوّلها إلى آخرها وكلّها حقّ له .
كما أنّ صفات المحدثات حقّ للحقّ .
شرح
( به ) ، أي بهذا الموطن فالباء للسببية أو بمعنى في ( لا ينعداه ) إلى موطن آخر فلا يتخلل في موطن كل صورة كل الأحكام بل كل حكم يصح منها في ذلك الموطن كالأحكام المذمومة مثلا ، فإن موطن ظهورها إنما هي النشأة الدنيوية لا يتعداها إلى موطن النشأة الروحانية ولا إلى موطن النشأة الأخروية ، ففي هذين الموطنين لا يتخلل الحق سبحانه تلك الأحكام المذمومة ، فإنها لا تتعدى موطن النشأة الجسمانية الدنيوية إليهما ، ثم نور رضي اللّه عنه تخلل الحق بوجود الحق واتصافه بصفاته بقوله : ( ألا ترى أن الحق يظهر ) من حيث تعينه وتقيده بالظهور في عين العبد ( بصفات المحدثات ) يعني الصفات التي لا تصح ظهوره سبحانه بها إلا في هذه النشأة الدنيوية ( وأخبر بذلك ) الظهور ( عن نفسه ) كما قال سبحانه :اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ[ البقرة : 15 ] ،وَمَكَرَ اللَّهُ[ آل عمران : 54 ] ومرضت فلم تعدني « 1 » ( وبصفات النقص وبصفات الذم ) ولكن يكون ذلك النقص والذم بالنسبة إلى غيره لا إليه سبحانه كما سبق تقرير ذلك ، ومن تخلل العبد وجود الحق بقوله : ( ألا ترى المخلوق ) ، يعني الإنسان الكامل ( يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها ) تخلقا وتحققا سوى الوجوب الذاتي فإنه لا قدم للحادث فيه ( وكلها ) ، أي كل صفات الحق ( حق ) ، أي ثابت ( للحق سبحانه ) باعتبار تعين وجوده بها .
ولما كان المفهوم من أول الفص إلى ههنا أن العبد يتخلل تارة صفات الحق سبحانه والحق يتخلل تارة صفات العبد فلكل منهما صفات تغاير صفات الآخر أراد أن ينبه على أن صفات العبد أيضا راجعة إلى الحق فإنه بعض من صور شؤونه وصفاته بعض
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب البر والصلاة والآداب ، باب فضل عيادة المريض ، حديث رقم [ 43 - ( 2569 ) ] وابن حبان في صحيحه ، حديث رقم ( 944 ) [ ج 3 ص 224 ] ورواه غيرهما . عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال : أما علمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي .