تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الخلق المشبّه ، وإن كان قد تميّز الخلق من الخالق ، فالأمر الخالق المخلوق ، والأمر المخلوق الخالق . كلّ ذلك من عين واحدة ، لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة .
فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
[ الصافات : 102 ] .
شرح
جمع الآحاد باعتبار الوحدة ( عين ثبتها ) إياه باعتبار كونه عددا بمعنى أن هذا البيت لا ينفك عن ذلك النفي كما لا تنفك عين الشيء عنه ( علم أن الحق المنزه ) عن مشابهة الخلق باعتبار إطلاقه ( هو الخلق المشبه ) بعضه ببعض من حيث تجليه بالصور المتعينة المتشابهة كما أن الواحد المنزه في حق نفسه عن الكثرة العددية هو العدد المتصف بالكثرة بتكرار ظهوراته ( وإن كان قد تميز الخلق من الخالق ) بالتقييد والإطلاق والإمكان والوجوب تميز العدد بسبب الواحد فإذا لاحظنا تقيد الخلق وإمكانه وإطلاق الحق ووجوبه فلا الخلق حق ولا الحق خلق ( فالأمر الخالق المخلوق ) ، أي فالحال والشأن أن الخالق هو المخلوق كما أن الواحد هو العدد ، وذلك إذا شاهدنا الخالق سبحانه في كمال إطلاقه وعلوه ، ثم لاحظنا تجليه أولا بالفيض الأقدس بصور الأعيان الثابتة وثانيا بالفيض المقدس بصور الأعيان الخارجية فقلنا : الخالق المخلوق ، أي الخالق باعتبار تجليه وتنزله هو المخلوق ( والأمر المخلوق الخالق ) ، أي الحال والشأن أن المخلوق هو الخالق كما أن العدد وهو الواحد ، وذلك إذا لاحظنا أولا المخلوق وفتشنا عن حقيقته ووجوده ووجدناهما عين الخالق بالتجليين المذكورين ، فقلنا : المخلوق حقيقة ووجودا هو الخالق ( كل ذلك ) المذكور من الخالق والمخلوق ( من عين واحدة ) فإن الحقائق ثلاث : حقيقة فعالة مؤثرة واحدة عالية واجبة وهي حقيقة اللّه الخالق سبحانه ، وحقيقة منفعلة متأثرة متكثرة سافلة ممكنة وهي حقيقة العالم المخلوق ، وحقيقة ثالثة جامعة بينهما فعالة من وجه ، منفعلة من وجه واحدة من وجه كثيرة من وجه . وكذا في سائر الصفات المتقابلة . وهذه الحقيقة أحدية جمع الحقيقتين ولها المرتبة الأولية الكبرى والآخرية العظمى وهي العين الواحدة التي انتسب منها نسبتا الخالقية والمخلوقية ( لا ) ، أي ليس كل ذلك منتشأ من عين واحدة فإن الانتشاء منها يوهم الإثنينية ( بل هو ) ، أي كل ذلك ( العين الواحدة ) ، باعتبار ارتفاع النسب الاعتبارية عن العين ( وهو ) ، أي كل ذلك هو ( العيون الكثيرة ) إذا اعتبرت تلك النسب ولوحظت أحكامها . ( فانظر ) العيون الكثيرة في المراد الفضيلية وأمعن النظر فيها لتعلم ( ماذا ترى ) ، أي ما الذي تراه أو أي شيء تراه ، أترى وحدة العين الواحدة فقط ؟ فتكون رؤية الحق تعالى مانعة لك عن رؤية الخلق أو كثرة العيون الكثيرة فقط فتكون رؤية الخلق مانعة لك عن الحق فتكون الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة من غير أن يمنع إحداهما عن
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 153 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي