تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وما ظهر حكم العدد إلّا بالمعدود والمعدود منه عدم ومنه وجود ؛ فقد يعدم الشيء من حيث الحسّ وهو موجود من حيث العقل . فلا بدّ من عدد ومعدود ؛ ولا بدّ من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه . فإن كان كلّ مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتّسعة مثلا والعشرة إلى أدنى وإلى أكثر
شرح
وأحكامه مثل الاثنين والثلاثة والأربعة وغير ذلك إلى ما لا نهاية له لأن كل مرتبة من هذه المراتب ليست غير الواحد المتجلي بها ، لأن الاثنين مثلا ليس إلا واحدا وواحدا اجتمعا بالهيئة الوحدانية فحصل الاثنان ، فليس فيه سوى الواحد المتكرر فهو مرتبة من مراتبه وإذا تجلى الواحد في مرتبته ظهر بعض أحكامه التي لم تكن ظاهرا في مرتبة واحديته كالزوجية الأولى مثلا ، وكذلك الثلاثة لما تجلى الواحد بها ظهرت بها الفردية الأولى التي لم تكن ظاهرة في مرتبة الواحدية والاثنينية أيضا . وكذا البواقي فمراتب الأعداد كلها تفاصيل لأحوال الواحد وأحكامه المستحسنة قبل ظهوره فيها . اعلم أن الواحد وللّه المثل الأعلى مثال العين الواحدة التي هي حقيقة الحق سبحانه وتعالى ، والعدد مثال للكثرة الاسمائية الحاصلة من تجلي تلك الحقيقة بصور شؤونها ونسبها الذاتية أو لكثرة الأعيان الثابتة في العلم ، والمعدود مثال للحقائق الكونية والمظاهر الخلقية التي لا تظهر أحكام الأسماء ولا أحوال الأعيان الثابتة إلا بها كما أشار إليه على سبيل التمثيل بقوله : ( وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود ) فإن العدد لكونه عرضا غير قائم بنفسه لا بد أن يقع في معدود ما ، وكذلك الأسماء الإلهية والأعيان الثابتة لكونها مستهلكة تحت قهر الأحدية متغايرة الأحكام متمايزة الآثار إلا بالمظاهر الخارجية سواء كانت المظاهر موجودة في الحس كالأعضاء الظاهرة للنفس الإنسانية ، أو معدومة فيه لكنه موجود عند العقل كالقوى الباطنة لها ، وإلى هذه القسمة أشار بقوله : ( والمعدود منه عدم ) ، أي معدوم من حيث الحس ( ومنه وجود ) ، أي موجود بحسبه ( فقد يعدم الشيء من حيث الحس ) بأن لا تدركه الحواس الظاهرة ( وهو موجود من حيث العقل ) بأن يدركه العقل بآثاره كالنفس الناطقة وقواها الباطنة . وكان المقصود من هذا التقسيم التنبيه على أن المظهر لا يجب أن يكون محسوسا شهاديا بل يجوز أن يكون معقولا عينيا ( فلا بد ) ههنا ( من عدد ) تفصيل الواحد ( ومن معدود ) يظهر به حكم العدد ( ولا بد ) أيضا ( من واحد ينشئ ) بتكراره ( ذلك ) العدد ( بسببه ) ، أي يوجد العدد بسبب الواحد وتكراره أو يظهر الواحد في مراتبه ومقاماته المختلفة بسبب العدد وظهوره ( فإن كان كل مرتبة من ) مراتب ( العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلا والعشرة إلى أدنى ) منهما وهو من الثمانية إلى الاثنين ( وإلى أكثر ) منهما
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 151 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي