تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
في هذا العلوّ ؛ وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة . ولما خافت نفوس العمّال منّا اتّبع المعيّة بقوله :
وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
[ محمد : 35 ] فالعمل يطلب المكان والعلم يطلب المكانة ، فجمع لنا بين الرّفعتين علوّ المكان بالعمل وعلوّ المكانة بالعلم . ثمّ قال تنزيها للاشتراك بالمعيّة
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
( 1 ) [ الأعلى : 1 ] عن هذا الاشتراك المعنويّ . ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات ، أعني الإنسان الكامل ،
شرح
يعني الأعلوية في المكانية ، فإنه قال تعالى : (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) [ محمد : 35 ] يريد معيته ( في هذا العلو ) ا لمعهود من الأعلوية ( وهو سبحانه ) في مرتبة جمعه ( يتعالى عن المكان لا عن المكانة ) ، فالعلو الذي هو معهم فيه لا يكون إلا علو المكانة . ( ولما ) أثبت سبحانه وتعالى علو المكانة ( خافت نفوس العمال منا ) أعني أفرادها والعباد الذي لا علم لهم بالحقائق نقصان أجزاء أعمالهم الذي هو علو المكان ، فإن علو المكانة لا يكون جزاء إلا عن العلوم والمعارف ( اتبع المعية بقوله :وَلَنْ يَتِرَكُمْ) ، أي لم ينقصكم الحق سبحانه (أَعْمالَكُمْ) فيكون لكم علو المكان بحسب أعمالكم كما كان لكم علو المكانة بحسب علومكم ( فالعمل يطلب المكان ) وعلوه كمراتب الجنان ( والعلم يطلب المكانة ) ورفعتها كمراتب القرب من اللّه تعالى ( فجمع لنا ) في هذه الآية ( بين الرفعتين علو المكان ) . الحاصل للعلماء باللّه ( بالعمل ) ، أي بسبب الاشتغال بالعمل جزاء له ( وعلو المكانة ) الحاصل للعلماء باللّه ( بالعلم ) ، أي بسبب التجلي بالعلم نتيجة له وإنما كان علو المكانة للعلم وعلو المكان للعمل ، لأن العلم أمر معنوي روحاني كالمكانة والعمل أمر صوري جسماني كالمكان فاقتضى كل منهما ما يناسبه ( ثم قال تعالى تنزيها للاشتراك بالمعية ) ، أي تنزيها واقعا لأجل الاشتراك المتوهم بين الحق وبين المحمديين في الأعلوية بسبب معيته معهم المفهومة من قوله :وَاللَّهُ مَعَكُمْفي هذه الأعلوية وقوله : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى( 1 ) ) [ الأعلى : 1 ] مقول للقول وقوله : ( عن هذا الاشتراك المعنوي ) يتعلق بقوله : سبح أي سبح ونزه ربك الذي هو الأعلى من أن يشاركه أحد في الأعلوية عن هذا الاشتراك المعنوي أي الوتر في المعنى بأن يكون هناك حقيقتان متغايرتان مشتركتان في أمر واحد بل ليس هذا الاشتراك إلا بحسب الصورة والمفارقة بين الحق والخلق ، وأما بحسب المعنى والحقيقة الحاكمة بأن لا وجود إلا للحق فلا الأعلوية ، بل لا علو إلا للحق سبحانه في مرتبتي جمعه وتفصيله ( ومن أعجب الأمور