تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣

الفصّ الإدريسي 4 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية

العلوّ نسبتان ، علوّ مكان وعلوّ مكانة . فعلوّ المكان
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
( 57 ) [ مريم : 57 ] . وأعلى الأمكنة المكان الّذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشّمس ،
شرح
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية إنما أردف الشيخ رضي اللّه عنه الكلمة النوحية بالكلمة الإدريسية وإن كان إدريس قبل نوح عليهما السلام بحسب الزمان لمناسبة مخصوصة بينهما من حيث أن الصفة القدوسية تلي الصفة السبوحية في المعنى والمرتبة فإن السبوح هو الذي ينزه عن كل سوء . والقدوس هو الطاهر عما يتوهم فيه من إمكان طرق نقص ما إليه يشينه ، وأما سر اختصاص هذه الصفة بإدريس عليه السلام فلأجل أن الكمال الذي حصل له إنما كان بطريق التقديس وهو تروحنه وانسلاخه عن الكدورات الطبعية والنقائص العارضية من المزاج العنصري ولما نزل في شأنه عليه السلام أنه رفع مكانا عليا ابتدأ رضي اللّه عنه حكمته بذكر العلو وبيان أقسامه وأحكامه فقال : ( العلو نسبتان ) أراد علوان كما صرح به في مختصره المسمى بنقش الفصوص ولكن لما كان العلو في ذاته أمرا نسبيا وكان امتياز كل من قسميه عن الآخر أيضا بالنسبة والإضافة إلى موصوفه عبر عنهما بقول نسبتان أو المعنى العلو له نسبتان ( علو مكان ) يتصف به المكان أولا والمتمكن ثانيا ( وعلو مكانة ) أي منزلة ومرتبة ويوصف به كل موجود ( فعلو المكان ) يدل عليه قوله تعالى : (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا( 57 ) [ مريم : 57 ] ) فذلك يدل على رفعة إدريس عليه السلام ، أو على علو مكانه وهو فلك الشمس ، أما رفعته فتبعية مكانه وأما علو مكانه فلوجهين أحدهما باعتبار ما تحته من الكثرات الفلكية والعنصرية ، وثانيهما باعتبار المرتبة بالنسبة إلى جميع الأفلاك . ولما كان علوه بالاعتبار الأول ظاهرا أعرض رضي اللّه عنه عن بيانه وتعرض للثاني بقوله ( وأعلى الأمكنة ) أي بالمكانة والمرتبة لا باعتبار الجهة فإن أعلاها بهذا الاعتبار هو العرش كما سيجيء ( المكان الذي يدور عليه عالم الأفلاك ) ويصل من