دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] أحدا حتّى تعمّ المنفعة كما عمّت الدّعوة .
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ
أي تدعهم وتتركهم
يُضِلُّوا عِبادَكَ
[ نوح : 27 ] ، أي يحيّروهم فيخرجوهم من العبوديّة إلى ما فيهم من أسرار الرّبوبيّة .
فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند نفوسهم عبيدا .
فهم العبيد الأرباب .
وَلا يَلِدُوا
، أي ولا ينتجون ولا يظهرون
إِلَّا فاجِراً
، أي مظهرا ما ستر .
كَفَّاراً
[ نوح : 27 ] ، أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره .
فيظهرون ما ستر ثمّ يسترونه بعد ظهوره ، فيحار النّاظر ولا يعرف قصد الفاجر
شرح
وللإشارة إلى ذلك وصف رضي اللّه عنه الكافرين ههنا بالوصفين المذكورين اللذين هما تفسيرا لكفرهم (دَيَّاراً) يعني ( أحدا ) ، وإنما عمم نوح عليه السلام الدعاء وما خص بعضها دون بعض ( حتى تعم المنفعة ) يعني الدخول في بطن الغرق والاستغراق في الباطن الأحدي الجمعي ( كما عمت الدعوة ) كل أحد إلى الباطن الأحدي الجمعي (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ[ نوح : 27 ] أي تدعهم وتتركهم ) إلى ظاهر أرض الغرق ولم تعدهم إلى باطنها (يُضِلُّوا عِبادَكَ) المفطورين على عبوديتك ( أي يحيروهم ) بين العبودية والربوبية ( فيخرجوهم من العبودية ) مطالعة ( ما ) أودع ( فيهم من أسرار الربوبية ) والصفات الفعلية الوجوبية من حيث أنها لهم بالأصالة ( فينظرون أنفسهم أربابا ) لاتصافهم بالأوصاف الربوبية ( بعدما كانوا عند نفوسهم ) عدميتهم الأصلية ( عبيدا فهم العبيد ) باعتبار عدميتهم الأصلية ( الأرباب ) باعتبار ما فيهم من أسرار الربوبية ، فإذا نظروا إلى ذواتهم علموا أنهم عبيد وإذا طالعوا ما ظهر فيهم من أسرار الربوبية وتوهموا أنها لهم تخيلوا أنهم أرباب فتحيروا في أمرهم ، ولم يعلموا أنهم عبيد وأرباب ، وأيضا إذا توهموا أنفسهم أربابا وطولبوا بمقتضيات الربوبية ، ولم يتأت منهم الإتيان تحيروا بها في دعواهم الربوبية .
وأما إذا لم يدعهم اللّه سبحانه على ظاهر أرض الغرق وأعادهم إلى باطنها اشتدت أسرار الربوبية إلى الحقيقة الجمعية وانقطعت ألسنتها عنهم فتحققوا بعبوديتهم وتخلصوا من توهم الربوبية (وَلا يَلِدُوا، أي ما ينتجون ولا يظهرونإِلَّا فاجِراً[ نوح : 27 ] ، أي مظهرا ) اسم فاعل من الإظهار ( ما ستر ) على البناء للمفعول ، أي مظهرا ما ستره الحق سبحانه فيه من أسرار الربوبية بأن يظهرها بين الخلق (كَفَّاراً، أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره فيظهرون ما ستر ) فيهم من تلك الأسرار ( ثم يسترونه بعد ظهوره ) ، إذا طولبوا بمقتضياته وعجز عن الإتيان بها ( فيحار الناظر ) في حالهم ( ولا يعرف قصد الفاجر )