وإن كان الكلّ للّه وباللّه بل هو اللّه .
قالَ نُوحٌ رَبِّ
ما قال إلهي : فإنّ الرّبّ له الثبوت والإله يتنوّع بالأسماء فهو
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ الرحمن : 29 ] فأراد الرّب ثبوت التّلوين إذ لا يصح إلّا هو .
لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
[ نوح : 26 ] يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها .
شرح
صاحب جمع الجمع أعلا فضيلة وكمالا .
( وإن كان الكل ) ، أي كل من الطبيعة وغيرها من المراتب الكونية ملكها ( للّه تعالى ) مخلوقا له ليكون مجلى لجماله ومظهرا لشؤونه وأحواله ( و ) متحققا ( باللّه ) قائما به ، لأنه هو الوجود الحق والقيوم المطلق ( بل هو اللّه ) لسريانه بأحدية جمعه الإلهي في كل شيء لكنه تتفاضل مراتبه بتفاضل أسماءه وصفاته وتفاوت تقلباته في الصورة وتجلياته فمرتبته من حيث أحدية جمعه الأحدي أرفع من مرتبته باعتبار ظهوره في مرتبة الطبيعة ، فمن أخرج من بحر شهود أحدية جمعه إلى ساحل الطبيعة يكون نازلا عن درجة أرفع إلى درجة أخفض وأوضح . ثم أشار رضي اللّه عنه إلى قوله تعالى : (قالَ نُوحٌ رَبِّما قال :
إلي فإن الرب له الثبوت ) [ نوح : 21 ] بحسب المادة والصيغة .
أما بحسب المادة ، فلما ذكر رضي اللّه عنه في جواب السؤال الحادي والثلاثين للترمذي معناه ، أي معنى الرب الثابت يقال : رب بالمكان إذا قام فيه وثبت . وأما بحسب الصيغة فلأنه صفة مشبهة تدل على ثبوت مبدأ الاشتقاق للذات المبهمة من غير دلالة على تجدد وانصرام ( والإله يتنوع بالأسماء فهو كل يوم في شأن ) فتارة يتجلى بالأسماء الربوبية وتارة بخلافها ، ولا شك أن مقام الدعاء وطلب الإجابة إنما يطلب الأسماء الربوبية ودوام آثارها ، فلهذا اختار نوح عليه السلام اسم الرب لا الإله ، فإنه وإن كانت الأسماء الربوبية متنوعة متلونة ، فإن الطالب المستعد يطلب في كل أنية نوع تربية لا يطلبها في آن آخر ، وذلك بحسب الظاهر بناء في الثبوت والدوام .
قال رضي اللّه عنه : ( وأراد ) ، أي نوح عليه السلام ( بالرب ) ، أي بذكر الرب ( ثبوت التلوين ) ، أي تلوين الأسماء الربوبية وتبدلها بحسب تبدل الاستعدادات الجزئية الوجودية للقابل المستعد بأن يكون الرب المطلق ثابتا دائما على التجلي بالأسماء المربوبية المتلونة الجزئية المقيدة ( إذ لا يصح ) ولا يتحقق في الواقع من صور الثبوت ( إلا هو ) ، أي الثبوت في التلوين لا الثبوت الذي يرفع التلوين (لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ) ، أي ظاهرا الفرق ( يدعو ) نوح عليه السلام ( عليهم ) ، أي على قومه ( أن يصيروا في بطنها ) ، أي بطن أرض الفرق وذلك عين دعوته لهم إلى الباطن الجمعي الأحدي ، فهذا الدعاء وإن كان