وصاحب الطّريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته : فله من وإلى وما بينهما . وصاحب الحركة الدّوريّة لا بدء له فيلزمه « من » ولا غاية لكماله فتحكم عليه « إلى » .
فله الوجود الأتمّ وهو المؤتيّ جوامع الكلم والحكم .
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ
[ نوح : 25 ] ، فهي الّتي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللّه وهو الحيرة .
فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] في عين الماء .
شرح
أو المركز لحركته الدورية ( والحركة الدورية ) تكون ( حول القطب ) أو المركز لا تختلف نسبتها إليه بالقرب والبعد . وهذا معنى قوله : ( فلا تبرح عنه ) يعني لا تبعد عنه بعدما كانت قريبة منه ( وصاحب الطريق المستطيل ) الذي تخيل مطلوبه مفقودا من البداية موجودا في الغاية ( مائل خارج عن المقصود ) الذي تركه بحسب خياله في البداية ( يطلب ما هو فيه ) ، أي يطلب الشيء الذي ذلك الشيء فيه هو في ذلك الشيء ( صاحب خيال إليه ) ، أي إلى الخيال ( غايته ) ، أي تنتهي غاية سلوكه إلى ما تخيله في الحق سبحانه من التقييد والتعيين ، فلا يتجلى له الحق سبحانه إلا في صورة ما تخيله واعتقده فيه ( فله ) ، أي لصاحب التخيل ( من ) الدال على المبدأ وفقدان الحق فيه ( وإلى ) الدال على الغاية ووجدان الحق سبحانه فيها ( وما بينهما ) من المسافة التي سلك عليها في طلب الحق من غير وجود الحق معه بحسب خياله ( وصاحب الحركة الدورية لا بدء ) ، أي لا بداية لسيره ( فيلزمه ) حينئذ معنى من الابتدائية ( ولا غاية لكماله فيحكم عليه ) حيث ينتهي ( إلى ) معنى الانتهائية ( فله ) ، أي لصاحب الحركة الدورية ( الوجود ) ، أي الوجدان ( الأتم ) والذوق الأشمل الأعم لأنه دائر مع الحق سبحانه يجده في كل شيء ويشهده في كل نور ( وهو المؤتيّ جوامع الكلم ) الروحانية ( والحكم ) الربانية ثم أشار رضي اللّه عنه إلى قوله :
(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوافهي ) [ نوح : 25 ] ، أي الخطيئات هي الذنوب والخطايا التي أدتهم أوّلا بصورهم وحثهم إلى الغرق في الطوفان فأغرقوا في الدنيا وأدخلوا نارا في الآخرة وهي بعينها الأمور ( التي خطت ) ، أي سلكت ( بهم ) وساقتهم من حيث نفوسهم وأرواحهم ثانيا إلى الغرق في بحر العلم والشهود إذ بها حصل لهم الخلاص من ظلمات الجثث والأبدان وآثارهم ولو بعد مرور الدهور والأحقاب .
( فغرقوا ) بعد خلاصهم بغرق الجثث وحرقها وزوال آثارها ( في بحار العلم باللّه ) وفنوا في شهود أحديته (فَأُدْخِلُوا ناراً) من نور سبحات وجهه المحرقة حجب أنياتهم ( في عين الماء ) ، أي عين ماء العلم وشهود أحديته سبحانه .