فهم أوّل الثّلاثة ، فقدّمه على المقتصد والسّابق .
إِلَّا ضَلالًا
[ نوح : 24 ] إلّا حيرة .
المحمّدي : « زدني فيك تحيّرا » .
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
[ البقرة : 20 ] .
فالحاثر له الدّور والحركة الدّوريّة حول القطب فلا يبرح منه .
شرح
الذين أورثوا الكتاب ) كتاب الجمع والوجود ( فهم ) ، أي الظالمون ( أوّل الثلاثة ) أراد الطوائف الثلاث المذكورين في قوله تعالى :ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ[ فاطر : 32 ] .
( فقدمه ) أي قدم الحق سبحانه الظالم لنفسه في الآية الكريمة ( على المقتصد والسابق ) بحسب الذكر لتقدمه عليهما بحسب المرتبة فإنه في مقام فناء الذات وهما في مقام فناء الصفات والأفعال (إِلَّا ضَلالًا، أي ( إلا حيرة ) ، هي الغاية القصوى في معرفة الحق سبحانه . اعلم أن الحيرة على نوعين : حيرة مذمومة وهي حيرة النظار وإليها أشار الحسين بن منصور الحلاج قدس اللّه سره بقوله :من رامه بالعقل مسترشدا * أسرحه في حيرة يلهوقد شاب بالتلبيس أسراره * يقول في حيرته هل هووحيرة محمودة وهي حيرة أولي الأبصار من توالي التجليات الإلهية وتتالي البارقات الذاتية وإليها أشار من قال :قد تحيرت فيك خذ بيدي * يا دليلا لمن تحير فيكاوالمراد ههنا الحيرة الأخيرة المحمودة .
( قال ) الكامل ( المحمدي ) طالبا الزيادة في هذه الحيرة ب ( زدني فيك تحيرا ) من توالي التجليات وكثرة تقلبات ذاتك في شؤونك وصفاتك وإلى هذه الحيرة أيضا يشير قوله تعالى : (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ) ، أي برق التجلي فاهتدوا بنوره إلى المطلوب ولكن لا يغنيهم عن وجوداتهم فتخيلوا أن المطلوب مفقود في البداية موجود في النهاية ( مشوا فيه ) ، أي ساروا في ضوء ذلك التجلي على الطريق المستطيل إلى المطلوب (وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ) ذلك البرق بأن أوقفهم في ظلمة العدم وأفناهم عن وجوداتهم وخلصهم عن حجب أنياتهم فصاروا مستعدين للتجليات الذاتية ( قاموا ) متحيرين ووقفوا هائمين من توالي تلك التجليات وتتابع بوارق تلك الظهورات .
( فالحائر له ) وفي بعض النسخ : فالمحيرون لهم ( الدور ) يعني الحائر الذي لا يتعين مشهوده في جهة معينة ، حركته دورية لا تختلف نسبتها إليه بالقرب والبعد فإنه كالقطب