تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وفي المحمّديين :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] فالعالم يعلم من عبد وفي أيّ صورة ظهر حتّى عبد ، وأنّ التّفريق والكثرة كالأعضاء في الصّورة المحسوسة وكالقوى المعنويّة في الصّورة الرّوحانيّة . فما عبد غير اللّه في كلّ معبود . فالأدنى من تخيّل فيه الألوهيّة ؛ فلو لا هذا التّخيّل ما عبد الحجر ولا غيره . ولذا قال :
قُلْ سَمُّوهُمْ
[ الرعد : 33 ] فلو سمّوهم لسمّوهم حجرا أو شجرا أو
شرح
المعبودين جهل الحق من حيث الوجوه التي له سبحانه فيهم فلهذا نهوهم عن تركهم ( و ) جاء ( في المحمديين ) ما يؤكد ما ذكرنا من أن للحق سبحانه في كل معبود وجها ، وهو قوله تعالى : (وَقَضى) يا محمد (رَبُّكَ) الذي هو الاسم اللّه مع (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُأي حكم ) وقدر في الأزل فلم يكن للّه سبحانه في كل معبود وجه خاص يعبد هذا المعبود لأجله لم يصح هذا الحصر ولا يطابق هذا الحكم الواقع ، فإنه قد تعبد آلهة متكثرة متعددة في الواقع ( فالعالم يعلم من ) الذي ( عبد ) في صور المعبودين ( وفي أي صورة ظهر حتى عبد ) فإنه لم يعبد في كل صورة ( وأن التفريق والكثرة ) في صور المعبودين ( كالأعضاء ) ، أي كتفريق الأعضاء وكثرتها مثل اليد ، والرجل والعين والأذن والأنف وغيرها ( في الصور المحسوسة ) الإنسانية ( وكالقوى ) ، أي كتفريق القوى ( المعنوية ) مثل العقل والوهم والذاكرة والحافظة والمفكرة والمتخيلة وغيرها ( في الصورة الروحانية ) الإنسانية أيضا ، فكما أن كثرة الأعضاء والقوى لا تقدح في وحدة الحقيقة الإنسانية كذلك كثرة الصور والمظاهر لا يقدح في وحدة المعبود الحق ( فما عبد غير اللّه ) المعبود الحق ( في كل معبود ) ، أي المعبود هو الظاهر في كل معبود بل في كل موجود وإن لم يشعر العابدون بذلك في هذه النشأة . قال رضي اللّه عنه في الفتوحات : عبد المخلوق ههنا من عبده وما عبد إلا اللّه من حيث لا يدري ويسمى معبوده منات واللات والعزى ، فإذا مات وانكشف الغطاء علم أنه ما عبد إلا اللّه فالناظرون إلى المعبودين صنفان : أعلى وأدنى . ( فالأدنى من تخيل فيه ) ، أي في معبوده المفيد ( الألوهية ) ، واستحقاقه بخصوصية العبادة ، وإن كانت للتقريب إلى الحق المطلق ( فلو لا هذا التخيل ) ، أي تخيل معنى الألوهية واستحقاق العبادة ( ما عبد الحجر ولا غيره ) كالشجر والشمس والقمر . ( ولهذا ) ، أي لأن عبادة هؤلاء المعبودين مبنية على تخيل الألوهية فيهم . ( قال ) اللّه سبحانه أمرا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم (قُلْ) إلزاما للكفرة وإقحاما لهم (سَمُّوهُمْ) [ الرعد : 33 ] ، أي اذكروا أسماء هؤلاء في أنفسهم ( فلو سموهم لسموهم حجرا أو شجرا
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 133 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي