تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فجاء المحمّديّ وعلم أنّ الدّعوة إلى اللّه ما هي من حيث هويّته وإنّما هي من حيث أسمائه فقال :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
( 85 ) [ مريم : 85 ] ، فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم ، فعرفنا أنّ العالم كان تحت حيطة اسم إلهيّ أوجب عليهم أن يكونوا متّقين . فقالوا في مكرهم :
وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
( 23 ) [ نوح : 23 ] ، فإنّهم إذا تركوهم جهلوا من الحقّ على قدر ما تركوا من هؤلاء ؛ فإنّه للحقّ في كلّ موجود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله .
شرح
فقوم نوح ما فهموا حقيقتها بل حسبوها مكرا ( فأجابوه ) ، أي قوم نوح عليه السلام ( مكرا ) به ( كما دعاهم ) مكرا ( لهم ) ومجيء جوابهم بعيد هذا . ( فجاء ) الداعي ( المحمدي وأعلم أن الدعوة إلى اللّه سبحانه ما هي من حيث هويته ) السارية في الوجودات كلها حتى يرد أن يقال : ليست هي مفقودة من البداية فيدعى إليها في الغاية ( وإنما هي ) ، أي الدعوة ( من حيث أسمائه ) فيدعى من اسم إلى اسم آخر كما يدعى من الخافض إلى الرافع ومن المنتقم إلى الرحيم ومن المضل إلى الهادي ( فقال تعالى : (يَوْمَ نَحْشُرُ) بأحدية جمع أسمائنا التي هي مرتبة الألوهية (الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً[ مريم : 85 ] فجاء بحرف الغاية ) التي هي إلى ( وقرنها بالاسم ) الرحمن المحشور إليه بعدما عبر عن المحشورين إليه بالمتقين ( فعرفنا ) بجميع ذلك ( أن العالم كان ) قبل حشر المحشورين ( تحت حيطة اسم إلهي أوجب ) ذلك الاسم ( عليهم أن يكونوا متقين ) وهذا الإيجاب إما أن يكون الاتقاء فيهم أثرا من آثار ذلك الاسم كالاسم الواقي والحفيظ مثلا ، أو يكون أثر ذلك الاسم مما يتقي منه كالاسم المنتقم والقهار وغيرهما ، وعلى كل تقدير فحشرهم إلى الاسم الرحمن إنما هو من ذلك الاسم ، فكما أن الحشر لا يكون إلا من اسم إلى آخر فكذلك الدعوة إلى اللّه تعالى لا تكون إلا كذلك قوله : ( فقالوا في مكرهم ) عطف على قوله ، فأجابوه مكرا ثانيا وتفسيرا له ، أي قال بعض منهم لبعض آخر منهم حين أجابوا نوحا مكرا : (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) ولا تتركن عبادتهم ، فأجملوا أوّلا ثم فصلوا لزيادة التأكيد فقالوا : (وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً[ نوح : 23 ] ) وإنما نهوا عن ترك هؤلاء المعبودين ( فإنهم إذا تركوهم ) ، أي هؤلاء المعبودين ( جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء ) المعبودين . فقوله : من هؤلاء بيان لما تركوا . ( فإن للحق ) تعالى ( في كل معبود ) منهم ( وجها خاصا يعرفه ) ، أي ذلك الوجه بل الحق من حيث ذلك الوجه ( من عرفه ) ، أي ذلك المعبود ( ويجهله ) ، أي ذلك الجهل بل الحق من ذلك الوجه ( من جهله ) ، أي ذلك المعبود فمن ترك هؤلاء