تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
( 22 ) [ نوح : 22 ] لأنّ الدّعوة إلى اللّه مكر بالمدعوّ لأنّه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
فهذا عين المكر
عَلى بَصِيرَةٍ
[ يوسف : 108 ] فنبّه أنّ الأمر له كلّه ، فأجابوه مكرا كما دعاهم مكرا .
شرح
الملك غير سيده لا يملك عبد ، فإن العبد في كل حال يقصد سيده فلا يزال تصرف سيده بأحواله في جميع أموره ، ولا معنى للملك إلا التصرف بالقهر والشدة ومهما لم يقم السيد بما يطالبه به العبد فقد زالت سيادته من ذلك الوجه . وأحوال العبد على قمسين : ذاتية وعرضية وهو بكل حال يتصرف في سيده والكل عبيد اللّه تعالى ، فمن كان دوني الهمة قليل العلم كثيف الحجاب غليظ القفا ترك الحق وتعبد عبيد الحق ونازع الحق في ربوبيته فخرج من عبوديته فهو وإن كان عبدا في نفس الأمر فليس هو عبد مصطنع ولا مختص ، فإذا لم يتعبد أحد من عباد اللّه كان عبدا خالصا للّه تعالى فتصرف في سيده بجميع أحواله فلا يزال الحق في شأن هذا العبد خلاقا على الدوام بحسب انتقالاته في الأحوال . وقال أيضا في هذا الباب : لقيت سليمان الديبلي فأجرني في مباسطة كانت بيني وبينه في العلم الإلهي فقلت له : أريد أن أسمع منك بعض ما كان بينك وبين الحق من المباسطة ، فقال : باسطني يوما في سري في الملك فقال لي : إن ملكي عظيم ، فقلت له : ملكي أعظم من ملكك ، فقال : كيف تقول ، فقلت : له مثلك في ملكي وليس مثلك في ملكك ، فقال : صدقت . قال رضي اللّه عنه : أشار إلى التصريف بالحال والأمر وهو ما قررناه وهذا قريب مما قاله أبو يزيد البسطامي قدس اللّه سره في مناجاته : ملكي أعظم من ملكك لكونك لي وأنا لك فأنا ملكك وأنت ملكي وأنت العظيم الأعظم وملكي أنت فأنت أعظم من ملكك وهو أنا . ثم أشار رضي اللّه عنه إلى قوله تعالى حكاية عن شكاية نوح عليه السلام عن قومه (وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً( 22 ) [ نوح : 22 ] ) ، أي مكر قوم نوح عليه السلام في جواب دعوته مكرا عظيما . كان نوح عليه السلام مكر بهم في الدعوة وذلك ( لأن الدعوة إلى اللّه مكر بالمدعو ) وإمرار للأمر على غير ما هو عليه في نفسه ( لأنه ) ، أي المدعو ( ما عدم ) على البناء للفاعل يعني ما فقد اللّه سبحانه ( من البداية فيدعى إلى الغاية ) فيجده فيها ، ولأنه أي اللّه سبحانه وتعالى ما عدم على البناء للمفعول من البداية فيدعى المدعو إلى الغاية ليجده فيها بل هو عين المدعو منه والمدعو إليه كما هو عين المدعو والداعي قوله : ( ادعو إلى اللّه ) ، يدل على فقدانه عن بعض هذه المراتب وهو غير ما هو الأمر عليه في نفسه ( فهذا عين المكر ) ، وقوله : ( على بصيرة ) ، أي على علم بأن الدعوة منه وإليه وهو الداعي والمدعو ( فنبه ) ، أي هذا القول أو الداعي أو اللّه سبحانه به ( على أن الأمر له ) ، أي للّه سبحانه ( كله ) فهو الموجود في البداية والمقصود في النهاية والداعي في مرتبة المدعو في أخرى ، فحقيقة الدعوة أن يدعو اسم اسما من اسم إلى اسم آخر ،