تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
فلو أنّ نوحا عليه السلام أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه ، فإنّه شبّه ونزّه في آية واحدة ، بل في نصف آية . ونوح عليه السلام دعا قومه « ليلا » من حيث عقولهم وروحانيّتهم فإنّها غيب « ونهارا » دعاهم أيضا من حيث صورهم وحسّهم . وما جمع في الدّعوة مثل
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فرارا . ثمّ قال عن نفسه إنّه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم وفهموا ذلك منه صلى اللّه عليه وسلم لذلك
شرح
شَيْءٌإلى آخره ( فجمع الأمرين ) ، أي أمر التنزيه والتشبيه ( في أمر واحد ) ، أي آية واحدة وهي مجموع تلك الآية أو كلام واحد وهو كل واحد من نصفيها وقوله بجميع الأمر . هكذا وقع في النسخة المقروءة على الشيخ رضي اللّه عنه ويوافقه نسخة شرح الجندي رحمه اللّه وفي بعض النسخ فجمع بصيغة الماضي مصدرة بالفاء مبنية للفاعل أو المفعول ويوافقه نسخة شرح القيصري ، أي فمما أتى به محمد صلى اللّه عليه وسلم قوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌإلى آخره فجمع فيه أمر التنزيه والتشبيه في آية واحدة أو كل من جزئيها ( فلو أن نوحا ) عليه السلام ( أتى بمثل هذه الآية ) ، أي بما يماثلها ( لفظا ) وعبارة في الدلالة على التنزيه والتشبيه معا ( أجابوه ) كما أجاب أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ( فإنه ) ، أي محمد صلى اللّه عليه وسلم ( شبه ونزه ) ، أي جمع بين التشبيه والتنزيه ( في آية واحدة بل في نصف آية ) ، فلو جمع نوح عليه السلام أيضا كذلك أجابه قومه . ( ونوح عليه السلام دعا قومه ليلا من حيث عقولهم وروحانيتهم ) ، وإنما جعلنا الليل إشارة إلى هذه الحيثية ( فإنها ) ، أي عقولهم وروحانيتهم ( غيب ) غير مدرك بالحس فيناسب أن يجعل الليل إشارة إليها بغيبوبة الأشياء فيه عن الحس ( ونهارا دعاهم أيضا من حيث صورهم وجثثهم ) فإنها شهادة فيناسب أن يجعل النهار إشارة إليها ، ومعناه : أنه عليه السلام دعاهم تارة من حيث عقولهم وأرواحهم المجردة القدسية المنزهة عن المواد الجسمانية إلى التنزيه ، فإنهم بهذا الاعتبار كان في استعدادهم إدراك التنزيه ذوقا ووجدانا فعاقتهم العوائق ، ودعاهم تارة أخرى من حيث صورهم وموادهم إلى التشبيه لأنهم بهذا الاعتبار كانوا مستعدين لإدراكه ذوقا ( وما جمع ) نوح عليه السلام بينهما ( في الدعوة ) بل أداها بعبارة واحدة ليفهم منها ( بالتنزيه ) في عين التشبيه ( والتشبيه ) في عين التنزيه ( مثللَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفنفرت بواطنهم ) عن دعوته ( لهذا الفرقان ) عنها لأنهم بحسب فطرتهم كانوا في القرآن كما سبق ( فزادهم ) هذا الفرقان ( فرارا ) عن قبول دعوته . ( ثم قال ) نوح عليه السلام مخبرا ( عن نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم ) بالبناء للمفعول أو الفاعل ، أي ليغفر لهم الحق سبحانه ويستر عنهم حقيقة الأمر لا