وعلم أنّهم إنّما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان .
ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه .
فإنّ القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمّن القرآن .
ولهذا ما اختصّ بالقرآن إلّا محمّد صلى اللّه عليه وسلم وهذه الأمّة الّتي هي خير أمّة أخرجت للنّاس .
فقال :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فجمع الأمرين في أمر واحد .
شرح
وفي النسخة المقروءة على الشيخ رضي اللّه عنه ( وعلم ) باعتبار كل واحد هو عطف على قوله : علم العلماء عطف تفسير فإن فيه الثناء عليهم بلسان الذم ( أنهم ) ، أي قوم نوح عليه السلام ( إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ) بين التنزيه والتشبيه فتارة دعاهم إلى التنزيه وتارة دعاهم إلى التشبيه ولم يجمع بينهما . ( والأمر ) في نفسه ( قرآن ) وجمع بينهما فإن التنزيه إنما هو باعتبار الاسم الباطن والتشبيه باعتبار الاسم الظاهر وهو سبحانه باطن في غير ظاهريته وظاهر في عين باطنيته ( لا فرقان ) وتمييز بينهما ( ومن أقيم في القرآن ) والجمع بين التشبيه والتنزيه وإن كانت تلك الإقامة بحسب الفطرة الأصلية المعتبرة بالأمور العادية كما كانت لقوم نوح عليه السلام فإن كل من له جهة روحانية وجهة جسمانية فهو ممن أقيم بحسب فطرته الأصلية في القرآن وإن غلبت عليه إحدى الجهتين ( لا يصغي إلى الفرقان ) ولا يقبله بحسب فطرته الأصلية ( وإن كان ) ، أي المقيم في القرآن بحسب فطرته ( فيه ) ، أي في الفرقان بحسب الأمور العادية الخارجية عن فطرته فإن ما بالذات لا يزول بالعرض ، وإنما لا يصغي إلى الفرقان ( فإن القرآن يتضمن الفرقان ) ، فإن الجزء لا يتضمن الكل فالقرآن أكمل من الفرقان ومن الفطرة السليمة الإنسانية ، لا يميل إلى المفضول مع وجود الفاضل ، فعلم من ذلك أن فرار قوم نوح وتصاممهم عن دعوته إلى الفرقان إنما كان لكونهم مقيمين بحسب فطرتهم وإن لم يشعروا بذلك في القرآن فذكروا فرارهم وتصاممهم ، وإن كان بحسب الظاهر ذما لهم ، فهو بحسب الحقيقة ثناء عليهم .
( ولهذا ) ، أي لكون القرآن أكمل من الفرقان ( ما اختص بالقرآن ) وما فاز به ( إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم ) بالأصالة ( وهذه الأمة التي هيخَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [ آل عمران : 110 ] بالمتابعة .
والمراد بالقرآن الذي اختص به محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته إنما هو الحقيقة السوائية الاعتدالية الجامعة بين التنزيه والتشبيه وسائر المتقابلات بحيث لا يغلب أحد المتقابلين على الآخر في مرتبة من المراتب ، لأن مجرد الجمعية الفطرية المذكورة آنفا ، فإنها مشتركة بين جميع الأفراد الإنسانية ( فقاللَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] ، أي التنزيهلَيْسَ كَمِثْلِهِ