تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
، فشبّه وثنّى
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] فنزّه وأفرد . فلو أنّ نوحا - عليه السلام - جمع لقومه بين الدّعوتين لأجابوه فدعاهم جهارا ثمّ دعاهم إسرارا ثمّ قال لهم :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح : 10 ] ، وقال :
دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
( 6 ) [ نوح : 5 - 6 ] . وذكر عن قومه أنّهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته . فعلم العلماء باللّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حقّ قومه من الثّناء عليهم بلسان الذّم .
شرح
الكاف زائدة فيفيد نفي المثل فيكون تنزيها أو بناء على أن نفي مثل المثل فإنه لو كان له مثل يلزم أن يكون لمثله وهو نفسه . وقال (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُفشبه ) بإثبات السمع والبصر له كما أنهما ثابتان للخلق فيكون تشبيها . ( قال تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفشبه وثنى ) ، أي حكم بالاثنينية على أن تكون الكاف غير زائدة فيفيد إثبات المثل وتثنية الحق به . وقال : (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُفنزه ) حيث حصر السمع والبصر فيه فلا تشابهه الخلق فيهما ( وأفرد ) ، أي حكم بتفرده بهما ( فلو أن نوحا ) عليه السلام ( جمع لقومه بين الدعوتين ) دعوتي التنزيه والتشبيه كما في هذه الآية ولم يقتصر على الدعوة إلى التنزيه الصرف أو التشبيه الصرف ( لأجابوه ) لمناسبة بواطنهم التنزيه وظواهرهم التشبيه لكنه لم يجمع بينهما بل فرق ( فدعاهم جهارا ) إلى الاسم الظاهر والتشبيه ( ثم دعاهم أسرارا ) إلى الاسم الباطن والتنزيه فلم يجيبوه لما سيشير إليه الشيخ رضي اللّه عنه . ( ثم قال :اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) ، أي اطلبوا منه ستر وجوداتكم وذواتكم وصفاتكم بوجوده وذاته وصفاته (إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) [ نوح : 10 ] كثير الستر لهذه الذنوب وشكى إلى ربه ( وقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا) من حيث حقائقهم الباطنة إلى التنزيه (وَنَهاراً) [ نوح : 5 ] من حيث حقائقهم الظاهرة إلى التشبيه (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً( 6 ) ) [ نوح : 6 ] ويفروا مما دعوتهم إليه ( وذكر ) نوح عليه السلام ( عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته ) إلى التنزيه حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ( لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ) فتصامموا عنها لئلا يجب عليهم إجابتها . وكان هذا العلم حاصلا لهم بحسب فطرتهم الأصلية وإن لم يعملوا بما اقتضاه لغلبة الظلمة الحجابية عليهم ( فعلم العلماء باللّه ) وأسمائه وصفاته أو العلماء به لا لأنفسهم ( ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم ) معنى ( بلسان الذم ) صورة وعلموا ، أي العلماء باللّه .