كذلك جعل اللّه تعالى صورة العالم تسبّح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم لأنّا لا نحيط بما في العالم من الصّور .
فالكلّ ألسنة الحقّ ناطقة بالثناء عليه ولذلك قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 2 ) [ الفاتحة : 2 ] ، أي إليه يرجع عواقب الثناء ، فهو المثني والمثنى عليه .
شرح
علما ولا فضيلة لها من الكرم والعطاء والجود والسخاء والشجاعة والصدق والوفاء فهي تثني على روحه وجسده الثناء الجميل ( كذلك جعل اللّه صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم ) إذا كنا محجوبين غير مكشوفين لنا ( لأنا لا نحيط ) عند الحجاب ( بما في العالم ) ، أي بشيء بما في العالم ( من الصور ) إحاطة تؤدينا إلى فهم سماع ما يجري على ألسنتها في مراتبها الحسية والمثالية والروحية . وأما إذا منّ اللّه سبحانه بالكشف عن تلك الصور والإحاطة بها فقد نعلم ألسنتها ونفقه تسبيحاتها .
قال الشيخ رضي اللّه عنه في آخر الباب الثاني عشر من الفتوحات المكية : المسمى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة فلا تحس بها مثل ما تحسها من الحيوان فإن الكل عند أهل الكشف حيوان ناطق غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف ، فقد سمعنا الأحجار تذكر اللّه رؤية عين بلسان ناطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال اللّه مما ليس يدركه كل إنسان . وقال في موضع آخر منه : وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر ممن لا كشف له .
وقال رضي اللّه عنه في جواب السؤال الرابع والخمسين : فأما حديث اللّه في الصوامت فهو عند العامة من علماء الرسوم حديث حال ، أي يفهم من حاله كذا وكذا حتى أنه لو نطق لنطق بما فهم هذا الفهم منه . قال القوم في مثل هذا :قالت الأرض للوتد لم تشقني * قال الوتد لها سلي من يدقنيفهذا عندهم حديث حال وعليه خرجوا قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[ الإسراء : 44 ] ، وقوله تعالى :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها[ الأحزاب : 72 ] أباة حال . وأما عند أهل الكشف فيسمعون نطق كل شيء من جماد ونبات وحيوان يسمعه العبد بإذنه في عالم الحس لا في الخيال كما يسمع نطق المتكلم من الناس ( فالكل ) ، أي كل صور العالم ( ألسنة الحق ناطقة بالثناء على الحق سبحانه ولذلك قال :الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ( 2 ) ) [ الفاتحة : 1 ] يعني الثناء الشامل كل حامدية ومحمودية خالص للّه لا يشاركه فيه أحد فكل ثناء من كل مثني يكون فيه ، لأنه لسان من ألسنته وكذا كل ثناء على كل مثنى عليه يكون عليه ، لأنه بعض من صور تجلياته ، وإلى هذا أشار بقوله : ( أي إليه ترجع عواقب الثناء ) مبنيا للفاعل كان أو