تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨

الفصّ النوحي 3 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية

اعلم أنّ التّنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التّحديد والتّقييد . فالمنزّه إمّا جاهل وإمّا صاحب سوء أدب . ولكن إذا أطلقاه وقالا به ، فالقائل بالشّرائع المؤمن إذا نزّه ووقف عند التّنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحقّ والرّسل صلوات اللّه عليهم وهو لا يشعر ،
شرح
فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية السبوح : بمعنى المسبح اسم مفعول كالقدوس بمعنى المقدس ومعناه المنزه عن كل نقص وآفة . ولما كان الغالب على نوح عليه السلام تسبيح الحق وتنزيهه لتمادي قومه على التشبيه وعبادة الأصنام ، أرسل إليهم ليعالجهم بالضد ، وصف حكمته بالسبوحية ، ولما كان بعد مرتبته المبدئية والمفيضية مرتبة الأرواح المجردة والأملاك النورية التي من شأنها تسبيح الحق وتقديسه كما قالوا :وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[ البقرة : 30 ] ، أردف الحكمة النفثية بالحكمة السبوحية فقال : ( اعلم أن التنزيه ) سواء كان من النقائص مطلقا أو من الكمالات الخلقية ( عند أهل الحقائق ) العارفين بالأمور ما هي عليه ( في الجناب الإلهي ) المطلق عن كل قيد حتى قيد الإطلاق ( عين التقييد والتحديد ) فإنه تخصيص وتقييد للحق سبحانه بما عدا ما نزه عنه ( فالمنزه إما جاهل ) منشأ تنزيهه الجهل مما ورد في الشرائع من التنزيه والتشبيه والجمع بينهما ( وإما ) عالم به لكنه ( صاحب سوء وأدب ) ينفي ما يثبته بالحق سبحانه على ألسنة رسله ويرد ما ورد دالا على التشبيه إلى التنزيه بضرب من التأويل الذي يستحسنه عقله العليل ، فتنزيه الجاهل وصاحب سوء الأدب ليس على ما هو الأمر عليه . ( ولكن إذا أطلقاه ) ، أي قائلا : التنزيه مطلقا غير مقيد ببعض المراتب ( وقالا به ) كذلك مطلقا أو مقيدا ببعض المراتب الإلهية وأثبتنا التشبيه في المراتب الكونية فتنزيههما واقع على ما هو ( فالقائل بالشرائع ) العالم بها ( المؤمن ) بما جاء به النبي ( إذا نزه ) الحق سبحانه ( ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك ) من مراتب السفيه وربما ورد دالا على التشبيه إلى التنزيه بضرب من التأويل والتمويه ( فقد أساء الأدب وأكذب الحق ) تعالى ( والرسل صلوات اللّه عليهم وهو لا يشعر ) بتلك
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 118 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي