فإنّ اللّه وهبه لآدم أوّل ما وهبه .
وما وهبه إلّا منه لأنّ الولد سرّ أبيه ، فمنه خرج وإليه عاد .
فما أتاه غريب لمن عقل عن اللّه تعالى .
وكلّ عطاء في الكون على هذا المجرى .
فما في أحد من اللّه شيء ولا في أحد من سوى نفسه شيء وإن تنوعت عليه الصّور .
وما كلّ أحد يعرف هذا وأنّ الأمر على ذلك إلّا آحاد من أهل اللّه . فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه .
فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصّة الخاصّة من عموم أهل اللّه .
شرح
الثابتة فإن لكل عين قابلية لعطاء يختص بها ، وإنما جعل مفتاح العطايا ( فإن اللّه سبحانه وهبه لآدم أول ما وهبه ) بعد سؤاله بلسان حاله ومقاله من الوهاب عند فقد هابيل أن يهبه من يكون بدلا منه في مظهر العلوم الوهبية والعطايا المخفية في حقيقة آدم ملقيا إياها إلى أرواح المستعدين فوهبه اللّه لآدم وجعله مفتاحا لما أودع فيه ( وما وهبه إلا منه لأن الولد سر أبيه ) أي مستور موجود فيه بالقوة ( فمنه خرج ) بصورة النطفة الملقاة في الرحم ( وإليه عاد ) بصيرورته إنسانا داخلا في حده وحقيقته ( فما أتاه غريب ) من خارج وذلك ظاهر ( لمن عقل ) الحقائق وأدركها ( عن اللّه ) لا من عند نفسه بفكره ونظره ( وكل عطاء ) يقع ( في الكون ) جار ( على هذا المجرى ) ، فإنه لا يأتي المعطى له إلا منه لا من خارج فإنه ما لم تقتضي عينه الثابتة ذلك العطاء لا يأتيه أصلا ( فما في أحد ) من المعطى لهم ( من اللّه ) المعطي ( شيء ) بل اللّه يظهر ما كان مستورا موجودا فيه بالقوة ( ولا في أحد من سوى نفسه شيء ) ، بل ما يظهر فيه إلا ما كان مستورا فيه ( وإن تنوعت عليه ) ، أي على ذلك الشيء ( الصور ) بحسب تنوع استعدادات الأخذ المعطى له ، ففي أي صورة كان ذلك الشيء لا يكون من سوى نفس المطعى له أو على ذلك الأخذ فمن أي صورة وصل إليه ذلك الشيء ، فهو من نفسه فإن تلك الصورة كانت موجودة فيه بالقوة ، ثم ظهرت بالفعل بعد تحقق شرائط ظهورها فما فاض ما فاض عليه من سوى نفسه ، ولا يخفى أن ذلك إنما هو باعتبار الفيض المقدس لا الأقدس فلا يناقض ما سبق لأن الأمر كله منه ابتداؤه وانتهاؤه .
( وما كل أحد ) من أهل اللّه ( يعرف هذا ) الحكم يعني أنه ما في أحد من اللّه ولا من أحد سوى نفسه شيء ( وأن الأمر ) يعني أمر العطاء في الكون كله جار على ذلك المجرى ( إلا أحاد من أهل اللّه فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه ) فيما يقول لأنه حق مطابق لما في الواقع ( فذلك ) الذي يعرف ذلك ( عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل اللّه ) ، فعموم أهل اللّه المؤمنون الموجودون ، وخاصتهم السالكون السائرون إليه