فإن قيل : هذا لم يرد به حديث ولا أثر كما زعم بعض المتفقهة .
قلنا : كذب فيما جاء به من الإنكار ؛ بل أتت بذلك أحاديث آثار ، فمن ذلك ما خرجه السمرقندي في كتاب الأبدال : أن عليّا بن أبي طالب كرم اللّه وجهه سأل النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن الأبدال ؟ فقال : هم ستون رجلا .
فقلت : يا رسول اللّه صفهم لي .
فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « ليسوا بالمتنطعين ولا بالمبتدعين ولا بالمتعمقين لم ينالوا ما نالوا بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة إلا بسخاء النفس وسلامة القلب والنصيحة لأئمتهم ، إنهم يا عليّ في أمتي أعز من الكبريت الأحمر » « 1 » .
وروي عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه أنه قال : لما ذهبت النبوة وكان الأنبياء أوتاد الأرض أخلف اللّه مكانهم أربعين رجلا من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم يقال لهم الأبدال ، لا يموت الرجل منهم حتى ينشئ اللّه مكانه آخر يخلفه وهم أوتاد الأرض ، ثلاثون منهم على قلب إبراهيم
هامش
- تلك الساعة ، وهم مفرّقون في الأرض لا يجتمعون أبدا ، كل شخص منهم لازم مكانه لا يبرح عنه ، فمنهم اثنان باليمن ، وأربعة ببلاد المشرق ، وستة بالمغرب ، والباقي في سائر الجهات .
ومنهم رجال الغيب : وهم عشرة لا يزيدون ولا ينقصون ، أهل خشوع لا يكلمون الناس إلا همسا ؛ لغلبة تجلي الرحمن عليهم دائما في أحوالهم ، وهم مستورون لا يعرفون ، خبّأهم الحق في أرضه وسمائه فلا يناجون سواه ، ولا يريدون غيره ، دأبهم الحياء ، إذا سمعوا أحدا يرفع صوته في كلامه ترعّد فرائسهم ، ويتعجبون من ذلك ؛ لأنهم يتخيلون أن التجلي الذي أورث عندهم الخشوع والحياء قائم بكل أحد .
وقد يطلق رجال الغيب على من يحتجب عن الأبصار من الإنس ، وقد يطلقون على رجال من الجن من صالحي مؤمنيهم ، وقد يطلقون على الذين لا يأخذون شيئا من العلوم والرزق المحسوس من الحس ، بل يأخذون ذلك من الغيب ، ومنهم ثمانية عشر ظاهرون بأمر اللّه عن أمر اللّه ، قائمون بحقوق اللّه ، يحبون إظهار الطاعات وخرق العوائد ، وكان الشيخ أبو مدين منهم ، فكان يقول لتلامذته : أظهروا للناس ما عندكم من الموافقة كما يظهرون بالمخالفة ، وأظهروا ما أعطاه اللّه من نعمه الظاهرة : يعني خرق العوائد ، والباطنة : يعني المعارف .
فإن اللّه تعالى يقول :وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[ الضحى : 11 ] ، وقال رسوله عليه السّلام : « التحدّث بالنعم شكر » انتهى .
هذا ما أردت إيراده من كلامه ، وقد ذكر طوائف كثيرة رضي اللّه عنهم ، وذكر أن جميع هذه الطوائف قد يكون فيهم نساء ، لكن يغلب ذكر الرجال عليهن انتهى .
( 1 ) رواه ابن أبي الدنيا في الأولياء ( 1 / 12 ) .