وإن قول غير الحلاج كان في منظر البقاء ، ومن كان في منظر البقاء نظر إلى الحق بالحق ، ونظر إلى الخلق بالحق ، فهو مع الحق غير محجوب عن الخلق ، وهو مع الخلق غير محجوب عن الحق ، فهو مع الحق ، لأنه ليس فيه بقية لغير الله - تعالى - كما قال القائل :
مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع
مذ تجمعت ما خشيت افتراقا * ها أنا اليوم واصل مجموع
ولذا قال من قال : « لو كلفت أن أرى غيره ما استطعت ، لأنه لا غير عندي » .
ولقد أحسن من قال :
شغلت بليلي عن سواها فلو أرى * جمادا لخاطبت الجماد خطابها
ولا عجب إني أخاطب غيره * جمادا ولكن العجيب جوابها
وهذا هو الصدق في القول بالحق .
وأما من كان قوله في الحق لا بالحق فهو المعني بقوله تعالى :
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
« 1 » .
ضربه الله مثلا لمن تكلم قبل أبان التكلم ، فإن الأبان إذا جاء كان المتكلم بأي تكلم تكلم مصيبا ، فإن الحق ناصره ، ومن كان الحق ناصره فمن ذا الذي يخذله .
واعلم أن الحلاج - رضي الله عنه - لمّا قال : « أنا الحق » كان متجليا بما قال ، بخلاف غيره وهو الذي قال : « أنا الله » و « ما في الجبة إلا الله » و « سبحاني ما أعظم شأني » كان متصفا .
هامش
( 1 ) - سورة لقمان ( 31 ) : الآية 19 .