تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
فاللّه اللّه لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطان الوهم ، فإن كان وهمك حاكما عليك ، فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يد شيخ مميز عارف .
شرح
والمؤمن عند اللّه أفضل من الطير ، فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر ، وهكذا علل جميع ما ذكر له ثم قال : إلهي إن قوما طلبوك لما ذكروه فشغلتهم به وأهلتهم له اللهم مهما أهلتني لشيء فأهلني لشيء من أشيائك أي : من أسرارك ، فما طلب إلا العلم لأنه أسنى تحفة وأعظم كرامة انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ( والتنزلات إلى الموت ) اعلم أنه كل ما عدا الوجود البحت والإطلاق فهو تنزل إلهي من أوج الإطلاق إلى حضيض التقييد ، وأول التنزلات هي الوحدة وآخرها الإنسان ، وبينهما تنزلات لا يتّسع الوقت لإيرادها لكثرتها ، وهي تنزلات كلية ، وأما التنزلات الجزئية فلا نهاية لها . واعلم أن السالك إذا تجرد عن هيكله وانسلخ منه وارتقى عن التقيد بالطبع بالرياضات والخلوات ودوام الذكر والحضور والمراقبة ، وأخذت لطيفته في المعراج في العروج الروحاني فعند اختراقه السماوات والأفلاك وتجاوزه مقامات الأرواح ومراتب الأسماء ينزل إليه الحق سبحانه وتعالى في كل منزل من هذه المنازل فيلاقيه فيه ويهبه ما شاء ، وهذا هو المسمى بالمنازلة ، فالتداني صفة السالك والتدلي نعت المالك ، فاعلم ذلك وتحققه فإن ذلك في خلاصته علوم المكاشفة . وإذا علمت معنى الخلوة والتوجه إلى رب العزّة مما أسلفناه لك وأردت الدخول إلى الخلوة ( فاللّه اللّه لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطان الوهم فإن كان وهمك حاكما عليك ) بأن تفزع من صيحة عظيمة تسمعها على غفلة ، أو تخاف من المشي في الظلمة ، أو من مشاهدة صورة هائلة تقبل عليك ، أو شرر تبصره يتطاير ويسقط عليك فتخاف منه ، أو من المبيت مع ميت في قبر ( فلا سبيل ) لك ( إلى الخلوة ) أصلا لأنه قد يظهر لك في الخلوة من الأمور الهائلة ما يختلّ به عقلك وينحرف له مزاجك ولا يرجى صلاحك بعده إلا بعناية الفاعل المختار سبحانه وتعالى ( إلا على يد شيخ ) كامل وأصل قد سلك الطريق وملك أزمة التحقيق ( مميز ) بين الواردات الشيطانية والرحمانية والتجليات الإلهية والكونية ( عارف ) بما يراد منها وبما يتقي به ضرر بعضها وما يكون سببا للعبور عنها صاحب قوة ربانية يربيك بها ويحفظك بهمته من جميع الآفات التي تعرض للسالك في سلوكه .