الناس ومعاشرتهم ، وليس المراد من ترك الناس ترك صورهم ، وإنما المراد أن لا يكون قلبك ، ولا أذنك وعاء لما يأتون به من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم إلا بالبعد عنهم ، فكل من اعتزل في بيته وفتح باب قصد الناس إليه ، فإنه طالب رياسة وجاه ، مطرود عن باب اللّه ، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شراك نعله ، فاللّه اللّه تحفظ من تلبيس النفس في هذا المقام ، فإن أكثر الخلق هلكوا فيه ، فأغلق بابك دون الناس ، وكذلك باب بيتك بينك وبين أهلك .
شرح
الناس ومعاشرتهم وليس المراد من ترك الناس ترك صورهم ، وإنما المراد أن لا يكون قلبك ولا أذنك وعاء لما يأتون من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم إلا بالبعد عنهم ، فكل من اعتزل في بيته وفتح باب قصد الناس إليه فإنه طالب رياسة وجاه ، مطرود عن باب اللّه ، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شراك نعله ، فاللّه اللّه تحفّظ من تلبيس النفس في هذا المقام فإن أكثر الخلق هلكوا فيه ) فإن النفس تظهر الباطل بصورة الحق وتلبسه به وإذا أردت العزلة ( فأغلق بابك دون الناس ) حتى لا يأتوا إليك ويمنعونك من المراد من العزلة ( وكذلك ) أغلق ( باب بيتك ) الذي تعتزل فيه ( بينك وبين أهلك ) فإن ضررهم المتعدي إليك أشد من ضرر الأجانب ، وفي نسخة :
وكذلك باب بيتك دونك بينك وبين أهلك ، وفيه إشارة حسنة وهي أن المعتزل كما يجب عليه أن يعتزل عن الناس بقلبه ولبه لربه كذلك يجب عليه أن يعتزل عن نفسه فلا يرى لنفسه تحققا ولا وجودا بل يراها معدومة العين موهومة الحكم ، وإذا غلب عليه هذا الحال بالنسبة إلى نفسه تخلى عن كل ما سوى اللّه لا محالة ، ويجوز أن يكون المراد بالأهل القوى والجوارح الظاهرة والباطنة وبالبيت القلب . واعلم أن المراد من العزلة التي هي مقدمة الخلوة ليس إلا تمرين النفس على الانفراد وقلة الطعام والمنام والكلام وحفظ القلب من الخواطر المشتتة المتعلقة بالأكوان لا مطلق الخواطر ، لأن حقيقة النفس تعطي أن لا تكون خالية من صورة في آن من الآنات لأنها مخلوقة على الصورة وهو سبحانه كل يوم هو في شأن واليوم الثاني هو الآن ، فمن المحال أن تنتفي خواطر النفس بالكلية إذ لو انتفت لا نعدمت النفس ، وهنا سر جليل فتش عليه فإنك إن وجدته علمت ما يراد منك ، وإذا كان الأمر كما ذكرنا فمراد الطائفة بنفي الخواطر نفي الخواطر الكونية وتعلق القلب بالجناب الإلهي لا غير ، وإذا تحكم فيهم هذا الإقبال والأعراض فأي خاطر خطر لهم جزموا بحقيقته لأنه لا تعمل لهم في حصوله ، ومن كان مع اللّه بالمراقبة التامة والتوجه الكامل فليس للشيطان عليه