تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
شرح
عليه أدب الشريعة وأن يوفق لإتيان مكارم الأخلاق واجتناب سفاسفها ، والمحافظة على آداء الواجبات مطلقا في أوقاتها ، والمسارعة إلى الخيرات ، وإزالة الغل للناس من صدره ، والحسد والحقد ، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة ، وتحليته بالمراقبة في الأنفاس ، ومراعاة حقوق اللّه في نفسه في الأشياء وتفقد آثار ربه في قلبه ، ومراعاة أنفاسه في دخولها وخروجها فيتلقاها بالأدب ويخرجها وعليها خلعة الحضور ، هذه كلها عندنا هي كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر ولا استدراج ، فإن ذلك كله دليل على الوفاء بالعهد وصحة المقصود والرضاء بالقضاء في الموجود ، ولا يشارك في هذه الكرامات إلا الملائكة المقربون وأهل اللّه المصطفون الأخيار ، وأما الكرامات التي ذكرنا أن العامة تعرفها فكلها يمكن أن يدخلها المكر ، ثم إذا فرضناها كرامة فلا بد أن تكون نتيجة عن استقامة لا بد من ذلك ، وإلا فليست بكرامة وإذا كانت الكرامة نتيجة استقامة فقد يمكن أن يجعلها اللّه حظ عملك وجزاء فعلك فإذا قدمت عليه يمكن أن يحاسبك بها ، وما ذكرناه من الكرامات المعنوية فلا يدخلها شيء مما دعاه فإن العلم يصحبها وقوة العلم وشرفه يعطيك أن المكر لا يدخلها ، فإن الحدود الشرعية لا تنصب حبالة للمكر الإلهي فإنها عين الطريق الواضحة إلى نيل السعادة ، والعلم يعصمك من العجب بعملك فإن العلم من شرفه أن تستعملك ومتى استعملك جردك منه وأضاف ذلك إلى اللّه تعالى وأعلمك أنه بتوفيقه وهدايته ظهر منك ما ظهر من طاعته والحفظ لحدوده ، فإذا ظهر عليه من كرامات العامة ضج إلى اللّه منها فسأل اللّه ستره بالعوائد وإن لا يتميز عن العامة بأمر يشار إليه فيه ما عدا العلم لأن العلم هو المطلوب وبه تقع المنفعة ولو لم يعمل به فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فالعلماء هم الآمنون من التلبيس ، فالكرامة من اللّه لعبادة إنما تكون للوافدين عليه من الأكوان ومن نفوسهم لكونهم لم يروا وجه الحق فيهما ، فأسنى ما أكرمهم من الكرامات العلم خاصة لأن الدنيا موطنه وأما غير ذلك من خرق العادات فليست الدنيا بموطن لها ولا يصح كون ذلك كرامة إلا بتعريف إلهي لا بمجرد خرق العادة ، وإذا لم يصح إلا بتعريف إلهي فذلك هو العلم ، فالكرامة الإلهية إنما هي ما يهبهم من العلم به سبحانه ، سئل أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه عن طي الأرض فقال : ليس بشيء فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة وما هو عند اللّه بمكان ، وسئل عن اختراق الهواء فقال : إن الطير يخترق الهواء