شرح
الوجيز ، قال اللّه تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصّلت : الآية 53 ] أن الإنسان عالم وجيز من العالم فيه الآيات التي في العالم ، فأول ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ[ فصّلت : الآية 53 ] ، ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه ، فلو رآها أولا في نفسه ثم رآها في العالم ربما تخيل أنه رأى ما في نفسه في العالم ، فرفع عنه هذه الأشكال بأن قدم له رؤية الآيات في العالم ، كالذي وقع في الوجود فإنه أقدم من الإنسان ، وكيف لا يكون أقدم وهو أبوه فأبانت له رؤية تلك الآيات في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك ، فالآيات هي الدلالات على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم ، فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة فإنه ما ثم جملة واحدة ، ولهذا تمّم تعالى في التعريف فقال :أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ[ فصّلت : الآية 53 ] من أعيان العالم شهيد على التجلّي فيه والظهور ، وليس في قوة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهرا ، وهو المعبر عنه بالإمكان ، فلو لم تكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ثم تمم وقال :إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ[ فصّلت :
الآية 54 ] من العالممُحِيطٌ[ البقرة : الآية 19 ] ، والإحاطة بالشيء تستر ذلك الشيء فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء ، فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره ، فصار ذلك الشيء وهو العالم في المحيط كالروح للجسم والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم ، ولمّا كان الحكم للموصوف بالغيب في الظاهر الذي هو الشهادة وكانت أعيان شيئيات العالم على استعدادات في أنفسها حكمت على الظاهر فيها بما تعطيه حقائقها ، فظهرت صورها في المحيط وهو الحق فقيل عرش وكرسي وأفلاك وأملاك وعناصر ومولدات وأحوال تعرض وما ثم إلا اللّه ، فالحق تعالى من كونه محيطا كبيت الخلوة لصاحب الخلوة ، فيطلب صاحب الخلوة فلا يوجد فإن البيت يحجبه فلا يعرف منه إلا مكانه ، ومكانه يدل على مكانته ، فقد أعلمتك مرتبة الخلوة التي ترد في هذا الكتاب لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات . وإذا لم يعمر الخلاء إلا العالم فهو في الخلوة بنفسه هذا أصله ، ثم لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك ، فالعارف إذا