شرح
عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه ، فيرى من حيث أثره في المحيط بالصورة التي ظهر بها المحيط نفسه ومن حيث تعدّد أعيانه يرى منه به كل عين مغايرة لصاحبتها ، ولذلك اختلفت صور العالم وإن كان واحدا كما اختلفت صور الإنسان في نفسه وإن كان واحدا ، فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد ، من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين . وأما الخلوة المعروفة المعهودة فليست مقاما ولا تصح إلا لمحجوب ، وأما أهل الكشف فلا تصح لهم خلوة أبدا فإنهم يشاهدون الأرواح العلوية والأرواح النارية ويرون الكائنات ناطقة أكوان ذاته وأكوان بيت خلوته ، فهو في ملأ كما هو في نفس الأمر ، فإذا أخذ اللّه عن بصره هذه المدركات وفصل بين الحيوان والجماد والملكية وعالم الصمت من عالم الكلام وعالم السكون من عالم الحركات وجب أن يخلو بربه حتى لا يشغله عنه نطق كون ولا حركة كون ، فمنهم من يطلب الخلوة لمزيد علم باللّه من اللّه لا من نظره وفكره . وهذا أتم المقاصد فإنه مأمور بذلك والعمل على الأمر الإلهي هو غاية كمال العمل واللّه يقول له :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[ طه : الآية 114 ] فمن تحدّث في خلوته في نفسه مع كون من الأكوان فما هو في خلوة قال بعضهم لصاحب خلوة : اذكرني عند ربك في خلوتك . فقال له : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة . ومن هنا تعرف قوله : أنا جليس من ذكرني » ، فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه ، إن كان المذكور ذا صورة أحضره في خياله وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوة الذاكرة ، فإن القوة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني ، والقوة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس ، وما ركبت القوة المصورة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بد من ذلك ، لأنها ليس لها تصرف إلا فيه ، فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظي ، فأول خلوة الذكر الخيالي وهو تصور لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية أو لفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنوي الذي لا صورة له وهو ذكر القلب ، ومن الذكر القلبي ينقدح له المطلوب والزيادة من المعلوم وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له وأنشأها الحس في خياله في نوم أو يقظة أو غيبة أو فناء ، فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا . ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر