شرح
ولا توالي إذا وليت منزلة * وغب عن الشرك والتوحيد بالأحد
وانزع إلى طلب العلياء منفردا * بغير فكر ولا نفس ولا جسد
وسابق الهمة العلياء تحظ بمن * سمّى بأسمائه الحسنى بلا عدد
واعلم بأنك محبوس ومكتنف * بالنور حسّا خليّا لا إلى أمدوقال الشيخ رضي اللّه عنه ولتقدم أولا قبل دخولك إلى الخلوة رياضة وعزلة عن الخلق وصمتا وتقليلا من الطعام وترك شرب الماء جملة أجهد فيه فإنه يسير المؤنة ، فإذا أنست النفس بالوحدة عند ذلك تدخل الخلوة . وقال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن العطش جرّبناه فوجدناه من الشهوات الكاذبة وجرّبه غيرنا فوجده كذلك ، فعوّد نفسك أن تمسكها عن الماء وإن عطشت فإنك إن جاهدتها قليلا تنعّمت بها كثيرا وتقيم واللّه الشهور الكثيرة نعم والسنين وأكثر لا تشرب فيها ماء ولا تشتهيه ولا يؤثر في مزاجك ولا في بدنك ، وتقنع الطبيعة بما تستمده من الرطوبات التي في الغذاء ، ولهذا نستحبّ بل نوجب المجاهدة والرياضة في العزلة قبل الخلوة حتى يصير ذلك طبعا وعادة لا تحس النفس به كما لا تحس بالعادات فتدخل الخلوة عقيب ذلك مستريحا نشيطا طيب النفس فارغا من المجاهدة خالي المحل من المكابدة مهيأ فارغا للذكر والمذكور والتجلي والمطلوب والوارد الآتي عليك ، فإن المجاهدة في الخلوة تذهب بجمعية الخلوة التي هي روحها لأنها شغل في الوقت فتحفظ من ذلك جهدك ، وقدم العزلة ولا بد واجعل مجاهدتك فيها حتى تأنس النفس بذلك وتدرج منها إلى الخلوة المطلوبة ليسرع إليك الفتح إن شاء اللّه ، ومهما تكلّفت شيئا في خلوتك من سهر أو جوع أو عطش أو برد أو حديث نفس أو وحشة فأخرج منها إلى عزلتك حتى تستحكم ذلك . وقال رضي اللّه عنه : العزلة سبب لصمت الإنسان ، فمن اعتزل عن الناس لم يجد من يحادثه فأداه ذلك إلى الصمت باللسان . والعزلة على قسمين : عزلة المريدين وهي بالأجسام عن مخالطة الأغيار ، وعزلة المحقّقين وهي بالقلوب عن الأكوان ، فليست قلوبهم محلا لشيء سوى العلم باللّه تعالى الذي هو شاهد الحق فيها الحاصل من المشاهدة . وللمعتزلين نيات ثلاثة نية اتقاء شر الناس ونية اتقاء شره المتعدّي إلى الغير وهو أرفع من الأول ، فإن في الأول سوء الظن بالناس وفي الثاني سوء الظن بنفسه ، وسوء الظن بنفسك أولى لأنك بنفسك أعرف ، ونية إيثار صحبة المولى عن جانب الملأ ، فأعلى الناس من اعتزل