تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
شرح
سد عينيك وأذنيك وليكن غذاؤك معك في بيتك معدّا أو خلف باب بيتك محفوظا ، ومن شرط هذه الخلوة بل كل خلوة إن قدرت أن لا يعرف أحد أنك في خلوة أصلا ، وإن كان لا بد فلا يعرف ذلك منك إلا أقرب الناس إليك في خدمتك ممن يجهل ما أنت عليه ولا يعرف ما تقصده ، وإنما يمنع من ذلك لتشوف النفس إلى النفوس المتشوقة لخروجه بماذا يخرج وهي علة كبيرة وفحش يحجب تقريب الفتح على الشخص وهذا يبعده ، فإنه لا سبيل إلى الفتح وفي النفس أثر . وقال رضي اللّه تعالى عنه فيما ينبغي أن يكون عليه صاحب الخلوة : ينبغي أن يكون شجاعا مقداما لا يكون جبانا خوارا ، فإن كان حاكما على وهمه غير مقهور تحت سلطان تخيله زاهدا في كل ما سوى مطلوبه عاشقا بمن توجه إليه عارفا بقواطعه من قوة الأمور القواطع التي بين يديه نافذ الهمة مصدق الخاطر ثابتا عند زعقة عظيمة أو وقع جدار أو مفاجأة أمر هائل ، غير طائش كثير السكون دائم الفكر غائبا على أكثر الحالات ساهيا عن لذة المدح وعن ألم الذم صاحب قوت طيب ومعنى قولي طيب ، لا يجد في نفسه عند أكله أثرا يريبه من باب الورع . فلهذا قال بعض أئمتنا : ما رأيت أسهل من الورع كل ما حاك له في نفسي شيء تركته . وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » ، قائما بما يحتاج إليه من أسباب خلوته لا يتكلف له أحد ذلك ، حينئذ له أن يدخل الخلوة ، وإن لم يكن على شيء من هذا فلا سبيل له إلا الخلوة لكنه يستعمل العزلة ويدرب نفسه ويهذبها ويروضها بما ذكرناه إلى أن يعتاد فإن الخير عادة ، فإذا حصل هذا الأمر دخل الخلوة إن شاء اللّه ، وليقدم صاحب الخلوة بين يدي خلوته صدقة إن كان له شيء ولو لم يكن له سوى ثوبين يتصدق بأحدهما أو ثوب واحد يمكن أن يباع بثوبين يستبدل له بغيره ويتصدق بالفضل . وقال رضي اللّه عنه : ثم اعرف ما يستحقه كل عالم من الحيوان الناطق وغير الناطق والنبات والجماد ، ومما ينبغي أن يعامل به من الخلق الذي يوافق غرضه إن كان ذا غرض مع حفظه الشرع وهو كل الحيوان أو ما يوافق الحكمة في عالم الأغراض له كالنبات والجماد ، وهي ترك العبث به فلا تقلع نباتا ولا تفسد نظامه وتربيته عبثا لغير
هامش
( 1 ) رواه النسائي في سننه الصغرى ، كتاب آداب القضاء ، باب الحكم باتفاق أهل العلم حديث رقم ( 5408 ) . ورواه الترمذي في سننه ، كتاب صفة القيامة والرقائق . . . ، باب ( 60 ) ، حديث رقم ( 2518 ) . ورواه أحمد في المسند ( 12106 ) .
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 88 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي