أنه لا يصح لك ذلك ، وفي قلبك ربانية لغيره ، فإنك محكوم لمن حكم عليك سلطانه ، هذا لا شك فيه .
[ مطلب العزلة ]
فلا بد لك من العزلة عن الناس وإيثار الخلوة على الملأ ثانيا ، فإنه على قدر بعدك من الخلق يكون قربك من الحق ظاهرا وباطنا .
شرح
إنما هو بنفوسهم لا باللّه ، إذ قد علموا أنهم ما يرون من اللّه سوى صورتهم ولا يقع أنس إلا بما يرون ، وغير العارفين ما يرون الأنس إلا بالغير فيستوحشون مع الانفراد بنفوسهم ، وكذلك الاستيحاش إنما يستوحشون من نفوسهم لأن الحق مجلاهم فهم بحسب ما يرونه فيه من أحوالهم فيقع الحكم فيهم بالأنس أو بالوحشة ، أو حقيقة الأنس إنما يكون بالمناسب ، فمن يقول بالمناسبة يقول بالأنس ، ومن يقول بارتفاع المناسبة يقول لا أنس باللّه ولا وحشة منه ، وكلّ بحسب ذوقه ، فإنه الحاكم عليه ، ومن له الإشراف مثلنا على المقامات والمراتب ميز وعرف كل شخص من أين تكلم ومن أنطقه وأنه مصيب في مرتبته غير مخطىء بل لا خطأ مطلقا في العالم ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .
وإذا علمت معنى الدخول إلى حضرة الحق والأخذ منه بترك الوسائط والأنس به علمت ( أنه لا يصح لك ذلك وفي قلبك ربانية لغيره ) واستيلاء لسواه بوجه من الوجوه ، فإن القلب الذي يليق لتجلي الحق هو القلب المقدس المطهر المعمور باللّه لا الملوث المدنس بغيره ، قال تعالى لإبراهيم الروح وإسماعيل النفس :أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ[ البقرة : الآية 125 ] ، يعني القلب من غيريلِلطَّائِفِينَ[ البقرة : الآية 125 ] وهم الواردات الإلهية ،وَالْعاكِفِينَ[ البقرة : الآية 125 ] وهم الأسماء الإلهية ،وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ[ البقرة : الآية 125 ] وهم الحقائق الكونية من حيث إنهم عين في الظهور ( فإنك محكوم لمن حكم عليك سلطانه ) واستولى عليك قهره وإحسانه ( هذا لا شك فيه ) عند كل عاقل سليم الفطرة .
وإذا كان حصول هذه الأمور يتوقف على ما ذكرناه ( فلا بد لك من العزلة عن الناس ) كما يأتي :
مطلب العزلة ( فلا بد لك من العزلة عن الناس ) أولا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه :إذا اعتزلت فلا تركن إلى أحد * ولا تعرج على أهل ولا ولد