والموطن عبارة عن محل أوقات الوارد ، الذي يكون فيه ، وينبغي لك أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن ، فتبادر إليه من غير تثبط ولا كلفة .
شرح
يقتضيه كل واحد منها لنفسه بنفسه أو بغيره أو بهما ، وبغيره بنفسه أو بغيره أو بهما على سبيل الإجمال ، فتستعد لمعاملة الموطن الذي أنت فيه بما هو أهله ، وللموطن الذي تنتقل إليه بتحصيل ما يراد له مما أمكن تحصيله في الموطن الذي أنت ( فيه ) وأبين ( ما تقتضي ) هذه المواطن ( مما أريد منها ) أي من المواطن ( ههنا ) أي في الموطن الذي أنت فيه الآن لا مطلقا ، فإن ذلك لا يحصل لك إلا إذا انتقلت إليها ، فلا فائدة في ذكره ، لأن الذي ينبغي للسالك مبادرة الأهم فالأهم ومراعاة كل موطن بما يستحقه لنفسه ، لأن السالك إذا انتقل من موطن وقد فاته فيه ما كان ينبغي له أن يحصله هنالك ، فإنه لا يقضيه أبدا ويؤدي ذلك إلى نقصانه سرمدا ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، والوقت سيف قاطع إن لم تقطعه قطعك ، والصوفي ابن وقته ، والماضي لا يعاد .
واعلم أن العالم في كل آن ينعدم لقهر الأحدية وغلبتها على الكثرة ويوجد مثله لحكم المحبة الذاتية فإن وجوده آن عدمه ، فالظاهر يقضي على الباطن الأول بالظهور فيوجد العالم ، والباطن الآخر يقضي على الظاهر الأول بالبطون فينعدم العالم ، ثم يرجع الحكم إلى الظاهر وهكذا إلى ما لا نهاية له ، وهذا هو المسمى بالخلق الجديد والامتداد المتوهم من سيلان الأمثال ، هو الزمان والحركة مكياله ، فكل ما سوى اللّه زماني ، وإذا استحال بقاء المحدث أزيد من آن كان كل محدث ابن وقته لا غيره ، فهو لازم لوقته ووقته لازم له بل هو عينه ويستحيل انتقاله عن وقته ، فوقته وطنه والأوقات لا نهاية لها ، فالمواطن لا نهاية لها واعلم أن تجدد الأمثال هو أن يعدم الشيء ويعقبه مثله بياض يعدم وبياض يوجد ، وإذا عدم وأعقبه ضده فذلك تغير الخلقة بياض يعدم وسواد يوجد ، وإذا كان وطن الأمثال أوقاتها ، كان وطن أوقاتها الصور التي تتجدد الأمثال عليها ، فالمواطن الكلية التي بالنسبة إلى جميع المواطن كالأمهات عبارة عن هذه الصور ، ولهذا قال الشيخ :
( والموطن عبارة عن محل أوقات الوارد ) أي القادم من العدم إلى الوجود بالخلق الجديد ، وهذا المحل هو ( الذي يكون فيه ) الوارد حالة حدوثه فافهم ، فإنه دقيق ( وينبغي لك ) أيها الطالب بعد معرفتك بالموطن ( أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن ) الذي أنت حال فيه ( فتبادر إليه ) وتأتي به على أحسن الوجوه ( من غير تثبط ) أي تشاغل