مطلب في بيان أن الطرق شتى وطريق الحق مفرد
فاعلم أيها الأخ الكريم أن الطرق شتى والطريق إلى الحق مفرد .
والسالكون طريق الحق أفراد ، ومع أن طريق الحق واحد ، فإنه تختلف وجوهه بحسب اختلاف سالكيه ، من اعتدال المزاج وانحرافه ، وملازمة الباعث ومغيبه ، وقوة روحانيته وضعفها ، واستقامة همته وميلها ، وصحة توجهه وسقمه .
فمنهم من تجمع له ، ومنهم من يكون له بعض هذه الأوصاف .
شرح
ساحة القلب للواصل الراجع والروح للمستهلك ( وما يقوله لك ) ويخاطبك به في سرّك ( وكيفية الرجوع من عنده إلى حضرة أفعاله به وإليه ) وأبين لك ( الاستهلاك فيه ) أي في الحق ( وهو ) أي الاستهلاك ( مقام دون الرجوع ) لأن الاستهلاك فناء لا يحس معه بتنوعات ظهورات الذات واختلاف تنزلاتها في حضرات الأسماء الذي هو من خواص البقاء بعد الفناء وهو العلة الغائية من الظهور والإظهار والمعرفة المحبوبة التي لأجلها خلق العالم .
مطلب في بيان أن الطرق شتى وطريق الحق مفرد ( فاعلم أيها الأخ الكريم أن الطرق ) الموصلة إلى الأكوان أو الأسماء والمخترعة التي اخترعتها العقلاء ( شتى ) متعددة مختلفة ( والطريق ) الموصل ( إلى ) ذات ( الحق ) من حيث الأسماء ( مفرد ) معزول عن سمات تلك الطرق لا يشبهها بوجه من الوجوه لأحديّته من ليس كمثله شيء ، وواحد لأحدية الغاية وهو الذي أشار إليه صلى اللّه عليه وسلم حين خط بيده خطّا في الأرض هكذا « 1 » وتلا :وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[ الأنعام : الآية 153 ] .
( والسالكون ) من الناس ( طريق الحق أفراد ) آحاد معدودون متفردون عنهم بصفات اختصوا بها دون غيرهم ، فهم على صفة الطريق والطريق على صفة الغاية ،
هامش
المصطلحات الصوفية ، أبو خزام ، مكتبة لبنان ) . وقال القاشاني : هي رؤية الحق من غير تهمة .
وتطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، وتطلق بإزاء التوحيد ، وتطلق بإزاء رؤية الحق في الأشياء ، وتطلق بإزاء حقيقة اليقين من غير شك . ( لطائف الإعلام ، القاشاني ، 2 / 306 ) .
( 1 ) ونص الحديث هو كما رواه أحمد في المسند : « عن عبد اللّه بن مسعود قال : خطّ لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطّا ثم قال : « هذا سبيل اللّه » ، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : « هذه سبل » ، قال يزيد : متفرقة ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : « إن هذا صراطي مستقيما ، فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله » . ( 1 / 563 ، حديث رقم 4141 ، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ) .