تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥

[ مطلب الموطن الثالث ]

والثالث : البرزخ الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر والأكبر .
شرح
مطلب الموطن الثالث والموطن ( الثالث ) هو ( البرزخ ) الحائل بين الدنيا والآخرة ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن البرزخ عبارة عن أمر فاصل بين أمرين ، كالخط الفاصل بين الظل والشمس ، وكقوله تعالى في اختلاط البحرين :بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 )[ الرّحمن : الآية 20 ] ومعنى لا يبغيان أي لا يختلط أحدهما مع الآخر لهذا الحاجز الذي فصل بينهما ، ولا يدركه حسّ البصر ، فإذا أدركه فليس ببرزخ ، ولمّا كان البرزخ بين معلوم ومجهول ، ومعدوم وموجود ، ومنفي ومثبت ، ومعقول وغير معقول ، سمّي برزخا ، وهو الخيال ، فإنك وإن أدركته ، وكنت عاقلا تعلم أنك أدركت شيئا وجوديّا وقع بصرك عليه ، وتعلم قطعا أنه ما ثم شيء جملة واصلا ، فما هو هذا الذي أثبت له شيئية ونفيتها عنه في حال إثباتك إياها ، فالخيال لا موجود ولا معدوم ، ولا معلوم ولا غير معلوم ، ولا منفي ولا مثبت وإلى مثل هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته ، فيرى الأعراض صورا قائمة متجسّدة ، ولا يشك فيها ، والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه ، وما يراه الميت بعد موته ، ثم أن الشارع وهو الصادق سمى هذه الحضرة البرزخية التي تنتقل إليها بعد الموت ونشهد نفوسنا فيها بالصور والناقور ، وهو جمع صورة فينفخ في الصور وينقر في الناقور ، وهو بعينه اختلفت عليه الأسماء . مطلب في بيان الصور اعلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الصور ما هو فقال عليه الصلاة والسلام : « هو قرن من نور ألقمه إسرافيل » « 1 » ، فأخبر أن شكله شكل القرن ، فوصفه بالسّعة والضيق ، فإن القرن واسع ضيق ، وهو عندنا على خلاف ما يتخيله أهل النظر في الفرق بين ما هو أعلى القرن وأسفله ، ونذكره إن شاء اللّه . فاعلم أن سعة هذا القرن لا شيء أوسع منه ، وذلك أنه يحكم بحقيقته على كل شيء وعلى ما ليس بشيء ، ويصوّر العدم المحض والمحال والواجب والإمكان ، ويجعل الوجود عدما والعدم وجودا ، وفيه يقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « اعبد اللّه كأنك
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، كتاب السنة ، باب ذكر البعث والصور ، حديث رقم ( 4742 ) . ورواه أحمد في المسند عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، حديث رقم ( 6514 ) . ورواه غيرهما .