تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

مطلب في من يريد العروج إلى الجناب الأقدس

فمن أراد العروج إلى الجناب الأقدس ولم يرق في المعراج الذي نصبته الرسل صلوات اللّه عليهم فقد ضل سواء السبيل ، فلا يصل أحد إلى اللّه إلا من الطريق الذي شرعه بواسطة الرسل صلوات اللّه عليهم .

مطلب في بيان من رقي المعراج المشروع ووصل إلى غايته

وإذا وصل الراقي في المعراج المشروع ووصل إلى غايته فشاهد الأمر على ما هو عليه في نفسه ، علم أنه ما رحل من وطنه وما انتقل من مسكنه لأنه على حالة واحدة من الأزل إلى الأبد ، وما كان تنزله إلا بحسب الشعور بالمراتب ، وما كان ترقيه إلا بالغفلة عنها ، وهو على حالة واحدة ما انتقل عنها إلى غيرها ، ولا انتقل غيره إليه ، وذلك أنه لما أراد التنزل في أول الأمر إلى نشأة العقل ، كان تنزله إليها عبارة عن شعوره بها لأنه لما شعر بها وشعوره عينه وعين ما شعر به انصبغت ذاته عنده بها فظهر عند نفسه بصورتها ، لا أنها انتقلت إليه وقامت به ، أو هو انتقل إليها ولبسها ، ثم إن ذاته الظاهرة بصورة العقل عنده لما شعرت بنشأة النفس انصبغت بها ، ولهذا يقول الشيخ رضي اللّه عنه : إن النفس خاطر من خواطر العقل ، وهكذا إلى آخر التنزلات ، ولما أراد الترقي إلى حقيقته الإطلاقية وكانت مراتب شعوراته قد حكمت عليه ، أخذ في تعطيل مداركه ومشاعره بإجماعها ، واستعان على ذلك بالمجاهدة والرياضة الشرعية ، وعلق شعوره وإدراكه بحقيقته المطلقة فقط ، وأعرض عن كل ما عداها ، فلما تعطلت مراتب شعوره انعدمت هذه النشأة التي ظهر فيها عند نفسه عنده ، فعندما وصل إلى حقيقته الإطلاقية علم أنه كان ولا شيء من هذه النشآت ، وهو الآن على ما عليه كان ، وعلم أن تنزله إلى جميع النشآت وتقيده بها إنما كان بالنسبة إلى شعوره وإدراكه لا غير ، وإن ذلك لا يحجبه عن شهود حقيقته لأنها ثابتة في نفس الأمر ، والشيء لا يغفل عن نفسه إلا إذا اشتغل بغيره ، بل لا يغفل عن نفسه أصلا لأن اشتغاله بغيره إنما هو من نفسه بنفسه في نفسه ، فهو مثل الذي يعلم ولا يعلم أنه يعلم ، فلما علم ما قلناه وكان قد شهد في تلك النشآت ما لم يشهده من حقيقته إلا بواسطتها ، علم أن الرجوع إليها أكمل والعود إليها أتم ، فأخذ يلبس الثياب التي خلعها مرة ثانية لكن لا على الوجه الذي لبسها أول مرة لأنه لما خلعها ما رفعها عن نفسه إلا من أذيالها ، فصارت ظواهرها بواطنها وبواطنها ظواهرها ، فلما لبسها في المرة الثانية لم يقبلها حتى تعود إلى حالها الأول بل لبسها