من حيث التقيد عن نفسه من حيث الإطلاق ، فاشتاق إلى نفسه وأراد رفع الحجب عن حضرة قدسه حتى يتحد المطلق بالمقيد كما كان أول مرة ، فأوحى إلى نفسه من حيث تقيده بكيفية رفع الحجب ، فأول ما أمر نفسه بالتوحيد الصرف لأنه البداية في التنزل ، فينبغي أن يكون هو البداية في الترقي لأن البداية في التنزل نهاية الترقي والنهاية والبداية واحد . ثم أمر نفسه بأنواع من الأعمال والأقوال الواقعة على طبق تنزلاته ونشآته في كل مرتبة ، وأمر نفسه الترقي فيها ، فكل عمل أو قول ارتقى إليه فقد ارتقى إلى ما يطابقه من نشأته ، وهكذا حتى يصل إلى آخرها في الترقي وأولها في التنزل وهو العقل الأول ، وكل نشأة يرتقي عنها تنقص من نشأته الجامعة حتى ينعدم بالكلية ، حينئذ يبقى من لم يزل ويفنى من لم يكن . مثاله الإنسان إذا وصل إلى حيوانيته ، فقد ارتقى عن إنسانيته وترك جزء نشأته وهو الناطق ، وإذا وصل إلى نباتيته فقد ترك حوانيته وهي جزء نشأته ، وإذا وصل إلى معدنيته فقد ترك نباتيته وهي جزء نشأته ، وهكذا إلى آخر النشآت . وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله شعر :
وإذا أردت تعرفا بوجوده * قسمت ما عندي على الغرماء
وعدمت من عيني فكان وجوده * فظهوره وقف على إخفائي
مطلب في أن التكاليف الشرعية مطابقة لحقيقة الإنسان مطابقة النعل بالنعل
ومن علم ما نبهنا عليه علم أن التكاليف الشرعية مطابقة لحقيقة الإنسان مطابقة النعل بالنعل ، وعلم أن من يدّعي العلم بالحقائق ولا يقول بالتكاليف الشرعية على الوجه المفهوم من ظاهرها ويؤول ذلك ويصرفه إلى أمور باطنة من أجهل الخلق بالحق وبنفسه ، ومن رقى في الأقوال والأعمال والاعتقادات الشرعية حتى وصل إلى الحق سبحانه ، فقد رجع من الطريق التي جاء منها . قال الشيخ رضي اللّه عنه من باب الإشارة :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : الآية 48 ] وهو عين ما قلناه ، وما رأيت من نبه على هذا السر غير الشيخ رضي اللّه عنه ، إلا الحكيم الرباني والعالم الصمداني ، الذي أخذ العلم من الرسل واطلع على حقيقة السبل ، أستاذ الحكماء فيثاغورس رحمه اللّه رحمة واسعة حيث قال : إن النفس الإنسانية بل جميع الموجودات تأليفات عددية أو لحنية ، ولهذا تلتذ النفس عند سماع التأليفات اللحنية المطابقة نشأتها ، والشرائع التي وردت بمقادير الصلوات والزكاة وسائر العبادات إنما هي لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية .