والشيخ رضي اللّه عنه لا يقول بقدم العالم كما تقول به الحكماء ولا بحدوثه كما تقول أرباب الكلام ، وسلك طريقة بين الطريقين وهي أقرب إلى مذهب المتكلم من مذهب الحكيم ، ومن فهم ما أوردناه في هذه المقدمة لا يخفى عليه ، وبعد أن علمت أن اللّه تعالى ما علم الأشياء إلا وهي في العدم المطلق علمت أن غيره لا يعلمها كما علمها الحق وإنما يعلمها من علم الحق وهي موجودة ، ثم بلا شك فما يأخذ غير اللّه معلوماته إلا عن موجود ، والحق يأخذ معلوماته عن العدم المطلق وعن الوجود ، بل إن حققت النظر فإن الحق سبحانه لا يأخذ معلوماته إلا عن ذاته لأنها صور الشؤون المستميتة فيها وهو عين الوجود سبحانه . وبعد أن علمت هذا فإن شئت قلت يأخذ معلوماته عن عدم وإن شئت قلت يأخذها عن وجود يعني عن ذاته ، فإن ذاته قبل تعلق العلم بها كانت واحدة بسيطة من جميع الوجوه وكانت جميع نسبها وإضافاتها مستهلكة فيها غير متميزة عنها بوجه من الوجوه ، وكان لها الإطلاق المطلق لأنها كانت تقتضي الظهور في مرتبة العلم والعين واللاظهور ، وكانت نسبتها إليها على السوية من غير ترجيح أحدهما على الآخر . ولما توجهت إلى الظهور تعلق علمها الذي هو عينها من جميع الوجوه بها ، وأحاط بها إحاطة تامة لأنه عينها ، وعند ذلك تعينت شؤونها التي كانت مستهلكة فيها غير ممتازة عنها بوجه من الوجوه ، وامتازت عنها وعن بعضها في حضرة العلم الذاتي ، وكان من جملتها الشأن العلمي ، فامتاز العلم عن الذات وعن سائر الصفات في نفسه ، وهذا من شرفه ، فإنه حكم على كل ما عداه وما حكم عليه إلا نفسه ، فله الرتبة العلية والتقدم على سائر الصفات ، ولهذا جعله بعض الناس إمام الأئمة ، واعترض على الشيخ رضي اللّه عنه في جعله الاسم الحي إمام الأئمة ، والذي ظهر لنا أن هذا المعترض ما فهم كلام الشيخ رضي اللّه عنه لأن الشيخ يقول بتقدم العلم على سائر الأسماء من هذه الحيثية التي أشرنا إليها ، وبتقدم الاسم الحي من جهة أخرى ، ولولا ضيق الوقت لأوضحنا هذا البحث على أحسن الوجوه وسنومىء إليه في بعض رسائلنا إن شاء اللّه تعالى .
ولما أحاط العلم الذاتي بجميع الحقائق وعين مراتبها وميز حقائقها ، ولم يشذ عنه الإحاطة بمرتبة وعلم جميع المعلومات على الوجه الكلي والوجه الجزئي بالتفصيل ، وما أخذ هذه المعلومات إلا من حقيقته وذاته ، لهذا قيل في الذات إنها غنية عن العالمين لأن جميع الحقائق حاضرة عندها مشهودة لها على وجه لا يتصور أبدع ولا أكمل منه ، إذ نسبتها إلى جميع الموجودات العينية الزمانية والغير الزمانية والموجودات العلمية نسبة واحدة ، وليس للموجودات مطلقا تقدم ولا تأخر بالنسبة
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 40
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٤٠