وصية إياك والتأويل فإنه دهليز الإلحاد
وصية إياك والتأويل فإنه دهليز الإلحاد والزندقة ، وإذا أولت على طريق أهل الإشارة فإياك أن تنفي الظاهر فإنه مراد الشارع بلا شك ، ومن نفاه فقد كفر بلا شبهة . وليكن حالك في المتشابهات حال مالك رضي اللّه عنه حين سئل عن الاستواء فقال : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة .
واحذر أن تكون من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقف عند
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[ آل عمران : الآية 7 ] وإياك أن تكون على خلاف هذه الحالة فتكون من الذين في قلوبهم زيغ ، وإذا وفقت لما أمرتك به فلا تأمن من مكر اللّه فتكون من الخاسرين وقل :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 )
[ آل عمران : الآية 8 ] .
وصية عليك بالعزلة
وصية عليك بالعزلة كما سنبيّنه لك إن شاء اللّه تعالى ، واعرف زمانك وإخوانك ، وعاملهم معاملة يستحقونها ، وأغلق بابك دون الخلق ، واغتنم الوحدة وكف جوارحك عن الفضول ، وتعرض لنفحات اللّه فإن لربك في أيام دهرك نفحات « 1 » ، وإياك الاختلاط بأهل الدنيا ، وأعرض عنهم :
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
[ النّساء : الآية 63 ] وحاسب نفسك قبل أن تحاسب « 2 » ، وعاقبها قبل أن تعاقب ، ومت بالاختيار حتى تحيى عند نزول هادم اللذات « 3 » .
هامش
( 1 ) يشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرّضوا لها » . الهيثمي ( مجمع الزوائد 10 / 231 ) . والطبراني ( المعجم الكبير 19 / 234 ) . والزبيدي ( إتحاف السادة المتقين 3 / 280 ) .
( 2 ) يشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » . الترمذي ( الجامع الصحيح حديث رقم 2459 ) .
( 3 ) هادم اللذّات ، أي الموت . وورد هذا اللفظ في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أكثروا من ذكر هادم اللذّات » .
الترمذي ( الجامع الصحيح حديث رقم 2307 ) . والموت في اصطلاح الصوفية له عدّة معان جماعها : قمع هوى النفس ، ومنها : عدم رؤية الخلق في الضر والنفع ، ومنها : الموت عن النفس والهوى والإرادة والمنى في الدنيا والآخرة . ومنها : انطواء الأنا الخلقية بالأنا الحقية أي إذا تجلّى القديم تلاشى الحاديث وبقي القديم وهو مقام الفناء الذي يتحقّق فيه السالك بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » . ويتحقّق بقوله تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )[ الرحمن : الآيتان 26 ، 27 ] .