كذلك ، فصورة اللبس الأول حق ظهر بخلق ، باطنه حق وظاهره خلق ، وفي صورة اللبس الثاني خلق ظهر بحق ، باطنه خلق وظاهره حق ، فلما نزل إلى بني نوعه بهذه الصورة أنشد رضي اللّه عنه :
جلّ الإله الحق أن يبدو لنا * فردا وعيني ظاهر وبقائي
لو كان ذاك لكان فردا طالبا * متحسسا متجسسا لثنائي
هذا محال فليصحّ وجوده * في غيبه في عينه وفنائي
فمتى ظهرت إليكم أخفيته * إخفاء عين الشمس في الأنواء
فالناظرون يرون نصب عيونهم * سحبا تصرفها يد الأهواء
والشمس خلف الغيم تبدي نورها * للسحب والإبصار في الظلماء
فتقول قد بخلت عليّ وإنها * مشغولة بتحلل الأجزاء
لتجود بالمطر الغزير على الثرى * من غير ما نصب ولا اعياء
وكذاك عند شروقها في نورها * تمحو طوالع نجم كل سماء
فإذا مضت بعد الغروب بساعة * ظهرت لعينك أنجم الجوزاء
هذا لمنتها وذاك لحبها * في ذاتها وتقول من رداء
فخفاؤه من أجلنا وظهوره * من أجله والرمز في أولياء
كخفائنا من أجله وظهورنا * من أجلنا فسناه عين ضياء
ثم التقت بالعكس رمزا ثانيا * جلت عوارفه عن الإحصاء
فكأننا سيان في أعياننا * كصفا الزجاجة في صفا الصهباء
فالعلم يشهد مخلصين تكلفا * والعين تعطي واحدا للرائي
فالروح ملتذ بمبدع ذاته * وبذاته من جانب الأكفاء
والحس ملتذ برؤية ربه * فان عن الإحساس بالنعماء
فاللّه أكبر والكبير ردائي * والنور بدري والضياء ذكائي
والشرق غربي والمغارب مشرقي * والبعد قربي والدنو تنائي
والنار غيبي والجنان شهادة * وحقائق الخلق الجديد أمائي
وإذا أردت تنزها في روضة * أبصرت كل الخلق في مرآئي
وإذا انصرفت أنا الإمام وليس لي * أحد أخلفه يكون ورائي
فالحمد للّه الذي أنا جامع * لحقائق المنشيّ والإنشاء
هذا قريضي منبىء بعجائب * ضاقت مسالكها على الفصحاء