إليها ولا بالنسبة إلى بعضها أصلا ، سواء كان التقدم والتأخر بالزمان أو بالذات وإذا كان الأمر على هذه بالنسبة إليها فمفهوم أوليتها عين مفهوم آخريتها لأن مفهوم الأولية عين مفهوم الآخرية ، وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : فأوليته عين آخريته .
ومعناه ما قلنا لا ما يقال من أن المراد أن الأول هو الآخر من جهتين مختلفتين ، لأنه لا يسوغ بهذه المرتبة وإنما يسوغ بالوحدانية التي هي منبع الجهات والحيثيات المختلفة والمؤتلفة . وبعد أن علمت ما أشرنا إليه فإن شئت قلت أوليته عين آخريته ، وإن شئت قلت لا أولية ولا آخرية . ثم إن الشؤون لما تفصلت وتميزت وكانت ذواتها وحقائقها تقتضي التقدم والتأخر على بعضها ، لأن بعضها شأن الذات بلا واسطة ، وبعض شأن الذات بواسطة شأن آخر ، ولهذا كان بعض الحقائق علة وبعضها معلولا ، والعلة أقرب إلى الذات من المعلول ، لهذا لما أراد الحق إيجاد الأعيان الخارجية ، وكان ذلك بتجليه للأعيان الثابتة ، وظهورها فيه ظهور الصور في المرآة كما سبق تقريره ، كان أول تجليه للعقل الأول لأنه أقرب المعلولات إليه ، فلما وجد العقل الأول الذي هو الحقيقة المحمدية في الخارج ، كان ألطف الموجودات وأشرفها وأكملها لأنه ظهر في مرآة الوجود الحق بلا واسطة ، فكانت حقيقة العقل كالحجاب على وجود الحق ، وكل من ينظر بعده في مرآة الحق فلا يرى إلا صورة العقل ، فهو أول الحجب الكونية . ثم إن اللّه جعله مرآة لحقيقة النفس الكلية الثبوتية ، فتجلى لها من خلف حجاب العقل ، كما تجلى للعقل بلا حجاب ، فرأت نفسها في مرآة العقل ، فكانت حقيقتها كالحجاب على حقيقة العقل . ثم إن الحق تعالى جعل حقيقة النفس مرآة للطبيعة فتجلى لحقيقتها الثابتة في علمه من خلف حجاب العقل والنفس ، فأبصرت الطبيعة نفسها في مرآة النفس ، ولما كانت الطبيعة كالحجاب على النفس ، تجلى الحق لحقيقة الهباء من خلف هذه الحجب ، فظهرت في مرآة الطبيعة ، وكذا ظهر الجسم في مرآة الهباء والشكل في مرآة الجسم ، ومجموع هذه الأربعة هو العرش ، فالعرش ما ظهر إلا في مرآة النفس ، وهكذا مجموع السلسلة . وقد ذكرنا كيفية التنزلات في رسالة لنا سميناها بالإنسان الكامل وهي بلسان الفرس . وإذا علمت ما أشرنا إليه ، علمت أن العقل ثوب الحضرة ، فهو كالقميص الذي لا حائل بينه وبين جسد الإنسان ، والنفس كالجبة التي تكون فوق القميص ، والطبيعة جبة أخرى وهكذا حتى الإنسان وهو الثوب الواسع الذي تضمن جميع الثياب ولبسها . فالحق سبحانه لما نزل من أوج إطلاقه إلى حضيض التقيد ، متعينا بحقائق السلسلة لابسا لصورها صورة فوق صورة حتى بلغ إلى غاية التنزل التي هي حقيقة الإنسان ، انحجب بنفسه
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 41
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٤١