تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩

فصل في أن اللّه تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين

لا يخفى على من اطّلع على ما قدّمناه في هذه المقدمة أن اللّه سبحانه وتعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين لا قدم لها في الوجود العلمي ولا العيني ، كما أنه يعلمها وهي على حالها في عدمها ما شمت رائحة من الوجودين أصلا ، لأنه لما تعلق علمه بها كانت معدومة في العلم وفي العين ، وليس الوجود بشرط للرؤية كما ذهب إليه بعض الناس . قال الشيخ رضي اللّه عنه : إن الممكنات وإن كانت لا تتناهي وهي معدومة فإنها مشهودة للحق تعالى من كونه يرى ، فإنا لا نعلل الرؤية بالوجود وإنما نعلّل الرؤية للأشياء بكون المرئي مستعدا لقبول تعلق الرؤية به ، سواء كان معدوما لنفسه أو موجودا ، فكل ممكن مستعد للرؤية فالممكنات وإن لم تتناه فهي مرئية للّه تعالى ، لا من حيث نسبة العلم ، بل من نسبة أخرى تسمى رؤية كانت ما كانت ، قال تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 )
[ العلق : الآية 14 ] ، ولم يقل هنا ألم يعلم بأن اللّه يعلم . وقال :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : الآية 14 ] ، وقال :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : الآية 46 ] ، وقال الشيخ رضي اللّه عنه بعد ما ذكر ما يظهر للبصر من الألوان في الحرباء وأشباه ذلك وأنها لا وجود لها في حد ذاتها وإنما وجودها بالنسبة إلى إدراك البصر : كذلك العالم مدرك للّه تعالى في حال عدمه ، فهو معدوم العين مدرك للّه يراه فيوجده لنفوذ الاقتدار الإلهي . ففيض الوجود العيني إنما وقع على تلك المرئيات في حال عدمها ، فمن نظر إلى وجود تعلق الرؤية بالعالم في حال عدمه ، وأنها رؤية حقيقية لا شك فيها وهو المسمى بالعالم ، ولا يتصف الحقّ بأنه لم يكن يراه ثم رآه بل لم يزل يراه ، فمن قال بالقدم فمن هنا قال ، ومن نظر إلى وجود العالم في عينه لنفسه ولم تكن له هذه الحالة في حال رؤية الحق له قال بحدوثه ، ومن هنا تعلم أن علة الرؤية للأشياء ليس كونها موجودة كما ذهب إليه أكثر المتكلمين من الأشاعرة ، وإنما الحق في ذلك استعداد المرئي للرؤية سواء كان معدوما أو موجودا ، فإن الرؤية تتعلق به . وأما غير الأشاعرة من المعتزلة فاشترطت في الرؤية البصرية أمورا زائدة على هذا تابعة للوجود ، ولهذا صارت الرؤية للعلم خاصة انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه .

مطلب في بيان أن صفة العلم غير صفة البصر

وقد علم منه أن صفة العلم غير صفة البصر ، وهذا خلاف ما قال به جماعة ممن يدّعي اتباع الشيخ رضي اللّه عنه ، وعلم ما معنى قدم العالم وما معنى حدوثه .