وعلم عند ذلك أن أمر اللّه واحدة كمثل لمح بالبصر « 1 » واطلع على حقيقة الزمان ، فإنه من أغمض المعلومات . حكى الشيخ رضي اللّه عنه عن الجوهري أنه ذكر عن نفسه أنه خرج بالعجين من بيته إلى الفرن وكانت عليه جنابة ، فجاء إلى شط النيل ليغتسل فرأى وهو في الماء كأنه في بغداد وقد تزوج وأقام مع امرأته ست سنين وأولدها أولادا غاب عني عددهم ، ثم رد إلى نفسه وهو في الماء ففرغ من غسله وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن فأخذ الخبز وجاء إلى بيته وأخبر أهله بما أبصره في واقعته ، فلما كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنه تزوجها في الواقعة تسأل عن داره ، فلما اجتمعت به عرفها وعرف الأولاد وما أنكرهم ، وقيل لها متى تزوج بك ؟ قالت : منذ ست سنين وهؤلاء أولاده مني انتهى . وأعجب من هذه القصة أمر الساعة فإنه كلمح البصر ، أو هو أقرب مع كثرة الخلائق وطول حسابهم ووقوفهم في المواقف خمسين ألف سنة مما تعدون ، فإن زمان وصول الساعة كلمح البصر أو هو أقرب ، وعين وصولها عين حكمها وعين حكمها عين نفوذ المحكم في المحكوم عليهم وعين نفوذه عين تمامه وعين تمامه عين عمارة الدارين فريق في الجنة وفريق في السعير . وحكى الشيخ عن أبي القاسم بن قسيّ رضي اللّه عنهما أنه قال في قوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[ الأعراف : الآية 29 ] إن اللّه إذا أراد حشر الناس في القيامة الكبرى خلق آدم من تراب كما خلقه أول مرة وأخرج زوجه من ضلعه القصيرى ، فإذا تم خلقهما تناكحا فولدت حواء ما كانت ولدته أول مرة وتناكحت الأولاد وأولاد الأولاد إلى آخر مولود كما كان أول مرة على التدريج والتتالي من غير زيادة ولا نقصان ، وهذا كله في آن واحد مع أنه كان في المرة الأولى في آلاف من السنين ، وهذه أمور لا يدركها العقل ولا يذوقها ولا تسعها العبارة ولا تصل إليها الإشارة ، ومن خرج من مطمورة الزمان وذاق قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » « 2 » وهو الآن على ما عليه كان هان عليه الاطّلاع على هذه الأسرار والإبصار في الليل والنهار .
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله تعالى :وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 )[ القمر : الآية 50 ] .
( 2 ) العجلوني ( كشف الخفاء 2 / 129 حديث رقم ( 2009 ) ) وعزاه إلى ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة ، وقال القاري : ثابت . والزبيدي ( اتحاف السادة المتقين 2 / 94 ) . ورواه البخاري في صحيحه بلفظ : كان اللّه ولم يكن شيء غيره » . وبلفظ : « كان اللّه ولم يكن شيء قبله » . صحيح البخاري بدء الخلق ، باب ما جاء في قول اللّه تعالى :وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . .[ الروم : الآية 27 ] حديث رقم ( 3198 ) وكتاب التوحيد ، باب وكان عرشه على الماء ، حديث رقم ( 7418 ) .