عليها ، ولهذا يزول ذلك الإشراق بوجود السحاب لأن العين فارقت مشاهدة العين الأخرى بوجود السحاب ، وهي مسألة في غاية الغموض لأني أقول لو أن الشمس في جو السماء وما في العالم عين تبصر من حيوان ما كان لها شعاع منبسط في الأرض أصلا ، فإن نور كل مخلوق مقصور على ذاته لا يستنير به غيره ، فوجود أبصارنا ووجود الشمس معا أظهر النور المنبسط ، ألا ترى الألوان تنقلب في الجسم الواحد الملون بالخضرة مثلا أو الحمرة إذا اختلفت منك كيفيات النظر إليه من الاستقامات والانحرافات كيف يعطيك ألوانا محسوسة تدركها ببصرك ولا وجود لها في الجسم المنظور إليه ، ولا تقدر تنكر ذلك ولا سيما إذا كان الجسم المنظور في الشمس ، فقد أدركت ما لا وجود له حقيقة بل نسبة ، كذلك النور المنبسط على الأرض ، وكتقلب الحرباء في لون ما هي عليه من الأجسام على التدريج شيئا بعد شيء ، ما هي كالمرآة تقبل الصورة بسرعة ولا هي جسم صقيل ، وإدراك تقلبها في الألوان محسوس مع علمك بأن تلك الألوان لا وجود لها في أعيانها ، وهذا الذي أشار إليه الشيخ رضي اللّه عنه لا يختص بنور الشمس لأنه سار في جميع المدركات ، وإنما خص نور الشمس بالذكر لأنه كان في صدد بيان التجلي الشمسي الذي هو عبارة عن التجلي الذاتي ، وعلى هذا لا وجود للعالم إلا في الإدراك وذلك من قبيل الأغاليط الحسية . قال الشيخ رضي اللّه عنه : فإن أردت أن تعرف صورة نشىء العالم وظهوره وسرعة نفوذ الأمر الإلهي فيه وما أدركته الأبصار والبصائر منه ، فانظر إلى ما يحدث في الهواء من سرعة الحركة بجمرة النار في يد المحرك لها إذا أدارها فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطّا مستطيلا إن أخذ بالحركة طولا أو أي شكل شاء ، ولا تشك أنك أبصرت دائرة نار ولا تشك أنه ما ثم دائرة ، وإنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة وهو قوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 )
[ القمر : الآية 50 ] فإدراك الدائرة وما هي دائرة فذلك عين الصورة المخلوقة الظاهرة للعين ، فتحكم من حيث نظرك ببصرك وبصيرتك وفكرك أنه خلق ، وبعلمك وكشفك أنه حق مخلوق به ما ظهر لعينك مما ليس هو ، فهذا عدم في عين وجود ، فانظر ما ألطف هذا الإدراك مع كون الحدث محلّا لظهوره على تقييده وكثافته وقصوره ، فما ظنك بما هو الأمر عليه بالنسبة إلى جناب الحق ، فسبحان من يكلم نفسه بنفسه في أعيان خلقه ، كما قال :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التّوبة : الآية 6 ] فإن اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده . فهو المتكلم والقائم لا إله إلا هو العزيز الحكيم .