تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
من الأسماء ينعت بجميع الأسماء ، كما أشار إليه ابن قسيّ وصرح به الشيخ رضي اللّه عنه . ولما جادت الذات بما طلبته الأسماء وتجلت من الاسم النور للأعيان الثابتة ، أبصرت الأعيان الثابتة ذواتها في مرآة الحق كما يبصر الناظر صورته في المرآة ، فتخيلت أنها وجدت في المرآة ، وإنما يظهر في المرآة غير ما هو في العلم ، فهو موجود آخر غير الموجود العلمي حدث عند هذا التجلي وعرض لذات الحق في الخارج جلّ جناب الحق عن ذلك ، وما علمت أنه تعالى لما تجلى لها وهي موجودة في علمه لم تستطع إدراكاتها التي هي بمنزلة الشعاع للأبصار أن تنفذ في هذه المرآة تعالت عن ذلك فانعكست إلى ما صدرت عنه كما ينعكس الشعاع من المرآة إلى الناظر فأدركت نفسها في حضرة العلم كما يدرك الناظر نفسه خارج المرآة ، وهو يتخيل أنه أدركها في المرآة وليس صورته في المرآة أصلا فما أدركت الأعيان الثابتة عند تجلي الحق إلا أنفسها وذواتها المعدومة ، وإذا صح أنه ما أدرك مدرك إلا ما هو معدوم صح أن الوجود الذي يدرك أولا عند إدراك الأشياء هو اللّه سبحانه الذي هو مرآة ظهرت بها لا فيها الأشياء ، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله :
فما ترى عين ذي عين سوى عدم * فصح أن الوجود المدرك اللّه
ولما كان إدراكنا للوجود الحق إنما هو ببصر الحق كما أشرنا إليه آنفا قال رضي اللّه عنه : فلا يرى اللّه إلا اللّه فاعتبروا قولي ليعلم منحاه ومعناه . ثم إنا إذا أدركنا الوجود أولا عند إدراكنا الأشياء فإنما ندركه في آن واحد ثم ينتقل الإدراك إلى ذلك الشيء ، فإذا انتقل فلا يدرك إلا هو ، وذلك لأن الذي الآن تدرك فيه الوجود هو وصول الشعاع إلى المرآة ، ثم إذا انعكس إلى الصورة لم يمكن إبصار جرم المرآة أصلا ، ولا يرى إلا الصورة لأن الشعاع قد انعكس إليها ، وغير أهل الكشف من حذّاق النظّار إذا اطّلعوا أنه أول ما يدرك من الشيء وجوده فإذا أدركوا الأشياء فأول ما يدركون وجوداتها ، ولا يدوم لهم هذا الإدراك بل يمر بهم مثل البرق ، فإذا انقضت بقية صورته في أذهانهم فيتخيلون أنهم باقون على إدراكه ولا علم لهم أن ما أدركوه في الزمان الثاني ليس ما أدركوه في الزمان الأول ، وإنما هو صورته التي هي في أذهانهم ، بل إنما هو وجود آخر لأن الإدراك الأول غير الإدراك الثاني لأن الزمان الأول غير الزمان الثاني ، ووجود الأشياء تابع للإدراك كما سبق ، وإليه أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : اعلم أن النور المنبسط على الأرض الذي في شعاع الشمس الساري في الهواء ليس له حقيقة وجودية إلا بنور البصر المدرك لذلك ، فإذا اجتمعت العينان عين الشمس وعين البصر استنارت المبصرات وقيل قد انبسطت الشمس