[ مطلب في بيان من ورد عليه وارد الوقت فمنهم من وارده قريب ومنهم من وارده بعيد ]
وإذا ورد عليه وارد الوقت يقبله ، وليحذر من التعشق به ويحفظه فإنه يحتاج إليه إذا ربي فإن أكثر الشيوخ إنما أتى عليهم في التربية لما فرطوا في حفظ ما ذكرناه وزهدوا فيه ويطول الوقت ويقصر بحسب حضور صاحبه فمنهم من وقته ساعة ويوم وجمعة وشهر وسنة ومرة واحدة في عمره .
شرح
فالواجب على السالك أن يراعي أنفاسه ( ويجتهد أن يكون وقته نفسه ) والوقت عبارة عن حالك في زمن الحال لا تعلق له بالماضي ولا بالمستقبل ، فهو موجود بين معدومين ، وإذا كان وقتك عين حالك كنت أنت ابن وقتك ، وكان لوقتك الحكم عليك ، لأنه الموجود وأنت المعدوم وهو الثابت وأنت الموهوم ، فإن كان حالك الطاعة ومشاهدة العبودية على كل حال فأنت من المتمكنين ، وإن كان خلاف ذلك فأنت من المتلونين ، وعلى الأول وقتك القرب ، وعلى الثاني وقتك البعد ، وعلى أي وجه فلا بد للوقت أن يمنحك وارداته ، فمن وقته القرب وارداته من حضرة القرب ، ومن وقته البعد فوارداته من حضرة البعد ، فمن حزن على الماضي وأشغل وقت الحال به فهو من المبعودين ، لأنه فوت ما يطلبه الحال بما لا يعود فهو في عين العدم ، وهكذا حال من اشتغل بالمستقبل .
مطلب في بيان من ورد عليه وارد الوقت فمنهم من وارده قريب ومنهم من وارده بعيد ( و ) على هذا فالواجب على من يريد مراعاة أنفاسه أنه ( إذا ورد عليه وارد الوقت ) أي وقت كان ( يقبله ) أي في قلبه ( وليحذر من التعشق به ) أي بوارد الوقت ، فإنه إن فعل ذلك كان من أهل البعد لما يلزم له منه من الفوت الذي ذكرناه ( و ) ينبغي له أن ( يحفظه ) ولا ينساه ولكن لا يشغل وقته به ( فإنه يحتاج إليه إذا ) وصل إلى مقام الإرشاد والشيخوخة و ( ربى ) المريدين الذين يرد عليهم مثل ما ورد عليه ، لحكم قلوبهم ونفوسهم عليهم ، وللمة الملك والشيطان ، بل للأصبعين بل لليدين والقدمين والدارين بل للاسمين الهادي والمضل والمظهرين ؛ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإبليس لعنة اللّه عليه ( فإن أكثر الشيوخ إنما أتى عليهم ) وأخطأوا ( في التربية لما فرطوا في حفظ ما ذكرناه ) من واردات الوقت ( وزهدوا فيه ) لشدة توجههم إلى اللّه وإعراضهم عن غيره لغلبة حبه عليهم وفي نسخة زهدا كليّا ( ويطول الوقت ) المضاف إلى المراقبين بأنفاسهم ( ويقصر بحسب ) دوام ( حضور صاحبه ) مع أنفاسه ومعاملتها بما تستحقه وعدمه ( فمنهم ) أي فمن الحاضرين مع أنفاسهم ( من وقته ساعة ) ، وهو أشدهم حضورا وأكملهم مراقبة